قال السائل: في قوله تعالى: {ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ، ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ}[المؤمنون:15، 16] كيف أدخل لام التأكيد على (ميتون) والموت معلوم ضرورة لايحتاج إلى تأكيد ولم يؤكد (تبعثون)، والبعث معلوم دلالة محتاج إلى التوكيد ؟
الجواب: أن كل أحدٍ لا يعلم موت نفسه ضرورة ولاموت من تأخر عن موته وإنما يعلم ذلك بدلالة الشرع لاغير، فاحتاج إلى التوكيد في دليل الشرع الوارد، وليس كذلك البعث، فإنه قد تطابق عليه دلالة العقل ودلالة الشرع، فلم يحتج إلى توكيد، ومن وجهٍ آخَرَ وهو أن أكثر المكلفين لمّا كانوا كالمُنكِرين للموت، لعدم عملهم بحسبه، وكَّدَهُ باللام، نظيره قول الشاعر:
|
جاء
شقيقٌ عارضاً رمحَهُ |
إنّ بني
عمّك فيهم رماح()
ولم يؤكد {تبعَثُون}، لما كان على البعث الدلالة، لو استدلوا.
سؤال(ح): يختص بالقرآن وأحكامه، ومضمون سؤال السائل ومقصوده يتقدر في ثلاثة مباحث ذكرها السائل:
البحث الأول: ما فائدة تقديم القصص والأخبار الواردة في القرآن على وقت نزوله مثل قصة زيد بن حارثة وامرأته، وقصة النملة في: { قَالَتْ نَمْلَةٌ يَاأَيُّهَا النَّمْلُ...} [النمل:18] وكذلك: {ونادَى أصْحَابُ النَّارِ أصحَابَ الجَنَّةِ...} [الأعراف:44]؟
الجواب: أن فائدة التقديم هي ما في ذلك من اللطف للملائكة عليهم السلام ؟ وكيفية اللطف في القصص التي لا تتضمن الغيوبات هي أنهم إذا ظهر لهم بأخبار الله سبحانه وتعالى وخلق القصص قبل أن يكون مخبرها بما علمه تعالى بما سيكون وكيف إذا كان يكون، زادهم ذلك علماً ويقيناً بغامض حكمته وإحاطة علمه وباهر قدرته وعموم رحمته وحسن تدبيره في خلقه، فيدعوهم ذلك إلى زيادة تعظيمه والخضوع له وزيادة الخوف والوجل منه، ولا يبعد أيضا أن يكون ذلك لطفاً للواحد منا إذا علم بتقديم ذلك قبل كونه، ثُمَّ علم بكونه، على ما جرت به القصص المتقدمة على كونه من حيث أن ذلك يزيده علماً ويقيناً بعظمة الله سبحانه، فيتوفر له الدّاعي إلى طاعة الله، وأما كيفية اللطف في القصص التي تتضمن العقاب، فالتطاف الملائكة بالعلم بها قبل كونها على حد التطافنا بالعلم بها قبل كونها سواء، إذ لو وقع القبيح منهم استحقوا العقاب على حد استحقاق فاعل القبيح منّا، كما في إبليس لعنه الله.
البحث الثاني: إذا كان القرآن أوّلُ مخلوقٍ، فما تأويل: {ومِنْ قَبْلِهِ كتَابُ موسى إمَاماً ورَحْمَةً} [هود:17] فإن قلتم القَبْلِيّة في النزول، فهو خلاف الظاهر... إلى آخر كلام السائل ؟