الجواب: أنَّ للمفسرين في ذلك كلامات وتأويلات، وقد ذكر الحاكم هذا السؤال أو معناه، وأجاب عليه بأنْ قال في قوله تعالى: {خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ} يعني النزول من سدرة المنتهى وموضع الثواب والعروج إليه، وفي قوله:{أَلْفَ سَنَةٍ} يعني النزول بالتدبير من سماء الدنيا والعروج إليها، هذا مضمون كلام الحاكم، وكل تأويل مما ذكره المفسرون يمكن فيه التشعيب والأمر كما ترى، وهذه من المتشابه المنطوي على التقدير والحذف والتمثيل ويمكن التلفيق بين الآيتين بأن يقال: الضمير في مقداره يعود إلى العروج الذي دلّ عليه: يعرج وتعرج في الآيتين، لا أنَّ الضمير يعود إلى اليوم، وعود الضمير إلى الإسم الذي يدل عليه الفعل جائز، كقوله عليه السلام في الدعاء المشهور:(واجعله الوارث منا).
إذا تقرّر هذا، فالمراد بقوله: {ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ} [السجدة:5] أي مقدار العروج على السير المعتاد لكم يا مخاطبون، ألف سنة، إذ هو عروج إلى سماء الدُّنيا، موضع التدبير لأمور الدنيا، وهو في قدرة الله تعالى كان في يومٍ واحدٍ من أيامكم، بلْ في جزءٍ منه، إذ قوله تعالى: {في يومٍ}، لا يدل على استغراق اليوم، وإنما يدل على استغراق أنّه كان في اليوم الواحد أكثر من مرّة.
والمراد بقوله تعالى في الآية الأخرى {تَعْرُجُ الْمَلاَئِكَةُ} -صلى الله عليهم- {وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ} إذ هو عروجٍ إلى موضعِ تدبير أمور القيامة والثواب، وذلك إلى فوق السماء السابعة بما شاء الله، واقتضته الحكمة، واليوم المعروج فيه هو يوم القيامةِ، في جزءٍ منه، إذ قوله: في يومٍ، لايدل على استغراق اليوم بالعروج، وإنما يدل على أنّ العُروج كَانَ فيه كما قُلنا في الآية الأولى، فهذا وجهٌ في التلفيق قريب.
فإن قيل:الضمير يرجع إلى المذكور القريب، ويومٍ أقربُ إلى الضَّمير في مقداره، فيرجع الضمير إليه. قلنا: منَعَ عن رجوعِهِ إليه مايقع من التَّدَافُعِ والتّنافي بين الآيتين.
سؤال(ح): على {فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا} [يوسف:5] ما هذه اللام ؟
الجواب: أنه قد قيل أنها زائدة مثل: (رَدِفَ لكُم)، وقيل: إنما عُدِّيَ باللام، أعني فيكيدوا لتضمنه معنى فيعدوا، أو يحتالوا، وقيل هي مما يتعدّى تارةً بنفسه، وتارةً باللام مثل (شكرتُ).
قال السائل: {فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ} [يوسف:32] وذلك إشارة للبعيد، وهو حاضر، فقياسه هذا ومثله {الم، ذَلِكَ الْكِتَابُ} ؟
الجواب: إنه لجلاله وارتفاع حاله وعِظَمِ شأنِه، فهو بعيدٌ في المنزلة والجلالة عنهنّ ومثله {ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ} وفي { ذَلِكَ الْكِتَابُ} وجهٌ آخر، وهو إشارة إلى الموعودُ به، وهو بالنظر إلى وقت العِدّةِ متراخٍ بعيد.
قال السائل: {إِنَّ النَّفْسَ لاََمَّارَةٌ بِالسُّوءِ} [يوسف:53]ٍوقال في موضع آخر {وَلاَ أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ} [القيامة:2]؟
الجواب: أنّ النفس الأمارةَ بالسُّوءِ هي نفس المُكلَّفِ مع بقاء التكليف، وقيل معاينة الأهوال، فنفسه تأمره، أي تدعوه إلى الشهوات والأهواء، فمِنَ المُكلَّفين من يُقارِعَهَا ويُجاهِدهَا، فإذا غلبها فهو الشجاع حقاً، كما وصفه النبي صلى الله عليه وآله وسلم بذلك وهو المعني بقول يوسف: {إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّي}، والنفس اللوامة هي مع سقوط التكليف وعند معاينة الشدائد والمعظمات والأهوال وكل نفس حينئذٍ تلوم على التفريط والتقصير.