الجواب: لعلَّ النكته في ذلك أن العم والخال لما كانا من الرجال الذي يُعصب بهم جميع الأمور ولهم مرتبة يمتازون بها على الإناث أشير إلى أن الواحد من الرجال كالعدد الكثير من النساء، وقصد بيان المزيّة، وأنه ليس الذكر والأنثى بالسوية، فأفرد الذكر لمثل ذلك، فهو من المعاني المطابقة المرضية مع ما يتصل بذلك من التفنن في العبارات، فهو أوقع في النفوس، ويكسب القول أبَّهةً ورواءً كما لا يخفى، ولهذا فإن الذّكر له مثل حظ الأنثيين، والرجل في الشهادة يقاوم الإثنتين، ولو اجتمع ألف امرأة في الشهادة لم يكن في قبولها إلاّ كرجل واحد فيُتَأمّل.

سؤال(ح): ما تفسير قوله تعالى {ولقد خلَقْنَا الإنسَانَ منْ سُلالَةٍ من طين ،  ثمَّ جعلناهُ نطفَةً في قرارٍ مَكِينْ} [المؤمنون:12، 13] فالمعلوم أن الذي خُلِقَ من الطين وهو() آدم عليه السلام  لم يُجْعَلْ نطفةً بعد ذلك؟

الجواب: الإنسان إن أريد به آدم فقط فهو من سلالة من طين، فأما أن يكون الضمير في جعلناه لعقبه وفرعه، إما على تقدير مضاف مثل واسأل القرية ونحوه، أوله لأن ولد الإنسان بضعة منه، فإذا كان الولد نطفة، فكان الوالد كذلك، لشدة الاتصال من قبيل التجوز، وإن أريد به الموجود عند نزول القرآن، فهو على نحو قوله: {خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ}[الكهف:37] أي خلق أصلك لأن خلق أصله سبب في خلقه فكأن خلقه خلقاً له، وزال الإشكال الذي عرض للسائل فلم يجعل آدم نطفة بعد ذلك، وإنما المجعول غيره إذا حكم على غيره بأنه مخلوق من الطين لما ذكرناه آنفا، ثمَّ بأنه مجعول نطفة في قرار مكين، وأما جار الله فجعل الإنسان المراد به الجوهر والحقيقة ولا شك أن جوهر الإنسان من حيث هو إنسان كان من طين، ثمَّ من نطفة في قرار مكين، فليس آدم هو المجعول نطفة وفي بعض الأخبار ما يقضي بأنَّ كل فرد من أفراد الإنسان يخلق من تراب الحفرة التي يدفن فيها، وأنه يطرح شيء من ذلك التراب في النطفة، فيخلق كل فرد من مجموعهما، وهذا مما ذكر في التفاسير .

سؤال(ح): وما يقال في قوله تعالى: {إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِِ...... } إلى قوله {لِيُعَذِّبَ اللَّهُ}....الآية [الأحزاب:72] ما معنى التعليل هنا وما المعَلَّلْ؟

الجواب: ذلك نظير قوله تعالى {فالتقطَهُ آلُ فِرْعَونَ ليكونَ لهُمْ عدُواً وحَزَنَاً}[القصص:8] فالتعليل فيه مجاز، واللام فيه تسمى (لام) العاقبة، أي ليكون عاقبة ذلك ما ذُكِرَ، وفيه بسطٌ وتحقيق وتقرير لهذا المعنى في تفسير الآيتين في الكشاف وغيره، في مغني اللبيب() وسواه، فلولا خشية الإملال لاستوفينا الأقوال، وما استُظهِرَ به من الحُجَجَ والاستدلال .

سؤال(ح): كيف جُعِلَ يومُ الدّين غايةً للعن إبليس، كأنه لا لعنة عليه بعد ذلك، كما يقتضي مفهوم عموم الغاية، ولقد اطلعت على جواب عن هذه المسألة غير شافٍ ولا وافٍ؟

الجواب: لعن إبليس مستمرٌ في الدنيا والآخرة، ولا غاية لذلك، وقيده بالغاية المذكورة، لما كانت تجري مجرى المثل في التكثير، لا لأن الغاية مقصودة في نفسها، على نحو {إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ} [التوبة:80] إذ ليس المراد به إذا استغفرت لهم فوق السبعين غفر لهم، وقوله {ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ} [الملك:5] فليس القصد مجرى التثنية، وإنما المراد بكرَّتين التكرير بكثرة، كقوله لبَّيْكَ وسعدَيْكَ، يريد إجابات كثيرة بعضها في إثر بعض، وقولهم في المثل: (دُهْ دُرِّين سعد القين) () من ذلك أي باطلا بعد باطل وإن قصد معنى الغاية احتمل أنما بعدها مسكوت عنه وهو يعرف بثبوت اللعنة فيما بعد من غير ذلك، فقد قال الله تعالى: {فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ} [الأعراف:44] إذ أن ما بعدها مخالف لما قبلها ولايُعمَلُ بالمفهوم إلا حيث لم يعارضه ما هو أقوى منه، وقد عارضه المنطوق، فبطل إعتبار المفهوم، فلا يعمل به حينئذ، ولذلك نظائر كثيرة في القرآن وغيره، وأما صاحب التجريد فذكر أنه يحتمل أن يراد أن عليه اللعنة وحدها إلى يوم الدين، فإذا كان يوم الدين إقترن باللعنة العذاب الشديد ويحتمل أن يراد بيوم الدين الأبد الدائم، كما ذكرناه نحو{خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ}[هود:107] وقد يذكر غير ذلك من أن المعنى أن عليه اللعنة في الدنيا، فإذا كان يوم الدين إقترن له باللعنة ما ينسى عنده، كأنها انقطعت.

سؤال:(ح) هل لأبي حيان تفسير ولم يذكره ابن خلكان ؟

الجواب: نعم تفسيره كبير شهير بسيط سماه البحر المحيط()، وجمع فيه مع التفسير تصريفا كثيراً ونحواً وأشعاراً، وبين فيه اختلاف النحويين في إعراب القرآن وزيف كثيراً من أقاويلهم ولكن ألقى ذلك متفرقا حسبما سنح له في أثناء التفسير، فاعتنى أبو عبد الله محمد بن عبد الله المالقي بإفراده، وتهذيبه، وجمعه وتقريبه، وله في بعض المقامات رد على أبي حيان، وجواب لاعتراضاته على الزمخشري وغيره وسمّى كتابه (المجيد) وهو هذا المعروف، وجميعه منتزع من البحر المحيط إلاّ زيادات يسيرة أخذها من كتاب البيان لأبي البقاء، ومن غيره، ونبَّه عليها بأنّ يَضع قبل ذكرها ماصورته: (م)، تنبيها على أنها مزيدة، وما كان من نتائج أفكاره ومقتضى أنظاره قال فيه: قلت، وأما عدم ذكر ابن خلكان لهما، فلتأخرهما عنه بمدة مديدة، فإنَّ ابن خلّكان معارض() لابن الحاجب وقد ذكر ذلك في تاريخه، وابن مالك صاحب التسهيل() متأخر عن ابن الحاجب بكثير، توفي في عشر الثمانين بعد ستمائة، وأبو حيان هذا: أمير الدين محمد بن علي بن يوسف المغربي، بعد ابن مالك، وهو صاحب التذييل على شرح التسهيل، فثَمَّ تفاوتٍ كثيرٍ، فليُحِطِ الخاطِرِ الكَريم بذلك علما.

سؤال:(ح) ما يقال في قوله تعالى:{ الزَّانِي لاَ يَنكِحُ إلاَّ زَانِيَةً ......} الآية. [النور:2] أهذا إخبارٌ محض، فقد وقع خلافه، ومحالٌ أن يقع خلاف ما أخبر به تعالى؟ أم هو إخبار في معنى الإنشاء، ويكون نهيا للزاني عن نكاح غير الزانية والمشركة، والعكس معلوم من ضرورة الدين خلاف ذلك؟

233 / 331
ع
En
A+
A-