قال السائل: كيف يصح هذا، وقد علمنا وبلغَنَا أنّ كثيراً من الكُفَّار والأعاجم وغيرهم قد مكّنَهم الله من أن يجعلوا لبيوتهم سقفاً من فضة ومعارج عليها يظهرون هذا معنى كلام السائل ومضمونه؟

الجواب والله الموفق للصواب: أن نقول أن ظاهر الآية ودلالتها ما ذكره السائل من أنّ ذلك يكون مفسدة قبيحاً، وقول السائل: (أن الله قد مكَّنَ كثيراً من كفارِ الأعاجم وغيرهم...) لا ينافي ظاهر الآية ولا يناقضه بوجوه ثلاثة:

أحدها: أنَّ ظاهر الآية يقضي بأنَّ المفسدة هي أن يفعل ويخلق لهم سقفاً ومعارج وسرراً، ويجعلها ابتداءً على هذه الصفة المذكورة خلقاً مخترعاً، من غير أن يكون لهم فيها عمل وذلك لم يكن لأحد من الكفار لا لعجم ولا لعرب.

الوجه الثاني: أنا إن سلّمنا أنّ المراد بالآية أن التَّمكُن من ذلك مفسدة، وإنه لم يخلقها ابتداءً فإن ظاهر الآية وصريحها أنه يكون مفسدة إذا فعل ذلك لجميع من يكفر لأن (مَنْ) مِنْ ألفاظ العموم وقد علمنا أن الله سبحانه لم يمكِّنَ جميع مَنْ كفر مِن ذلك، والمعلوم أن في الكفار من أتربه الفقر، بل أكثرهم سيماه الفقر، وإن كان القليل منهم قد تمكَّن على ماقيل وأشار اليه السائل.

 الوجه الثالث: أنا نقول للسائل بِمَ علمت أن في كفار الأعاجم وغيرهم من قد تمكن من جعله لبيوته سقفاً من فضة ومعارج وسرراً وزخرفاً، هل بضرورة أو دلالة؟ وأيّ ذلك قال لم يجد إلى تصحيحه سبيلاً، وليس ذلك إلاّ بمجرد أخبار وحكايات وروايات آحادية تزيد وتنقص، ولو صح أن في ملوك الأعاجم وغيرهم من هو متمكن من ذلك، فليس بجعل الله له ذلك وإنما هو باكتسابه للحرامات وجمعه للحُطامات والخيانات وليس بجعلِ الله له، لأن الله لا يجعل له الحرام وإنما هي باجتراحه واكتسابه.

سؤال(ح): على قول الله تعالى: {ومَن يتّقِ الله يجعَلْ لهُ مخرجاً ويرزُقْهُ من حيثُ لايحتسب} [الطلاق:2] كيف يصح هذا وقد علمنا أن كثيراً من المتقين الأبرار مُبتَلُون بالفقر معروفون به، ومنهم من تصيبه المصايب لايخرج منها، وتعداد ذلك يطول، فما تأويل الآية؟ هذا معنى سؤال السائل.

قال عليه السلام : الجواب: إن الله هو الصادق في خبره الوافي بوعده، والذي يعرض لكثير من المتقين من الأوصاب والحاجة لا يقدح في الآية لوجوه:

أحدها: أن المراد بالآية أن من اتقى الله سبحانه يجعل له مخرجاً من ضرر العقاب ويرزقه من حيث لا يحتسب من جزيل الثواب، وذلك في الآخرة وليس في الدنيا لأن ذلك جزاءً على التقوى.

الثاني: أن ذلك يتقدر أن يكون في الدنيا، فإنَّ المعلوم أن كثيراً من المتقين جعل الله لهم مخرجاً من مصائب تُلم بهم في الدنيا، وأن كثيراً ممن رزقه الله سبحانه بغير تأكد منه ولا كدٍ يأتيه رزقه من حيث لا يحتسب، وتعداد ذلك يطول، وليس في الآية ما يدل على أن يجعل لهم مخرجاً من كل أمر ولا ما يدل على أنه يرزقهم رزقاً واسعاً غامراً سابغاً، ويعضد هذا الوجه قوله تعالى: {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ} [الأعراف:96] ومن بُلي بالفقر والحاجة من المتقين ممن أشار اليه السائل فربما أنه لا يصلحه إلاّ الفقر فقد قال صلى الله عليه وآله وسلم  (إنّ مِنْ عبادِ اللهِ مَنْ لا يصلحه إلاّ الفقر)، فيكون ذلك مستثنى من الآية لوجوب المصلحة على الله تعالى فيكون تخصيصاً للآية بالدليل.

الوجه الثالث: نَصَّ الآية على سببها وقد ذكره بعض المفسرين وسببها معروف.

229 / 331
ع
En
A+
A-