قال مولانا أمير المؤمنين الحسن بن عز الدين بن الحسن بن أمير المؤمني عليه السلام :
بسم الله الرحمن الرحيم
أما بعد: حمداً لله ذي الجلال، على ما منح وفتح من أيادٍ ونوال، وأجزلَ من الآلاء التي لا تزال، وخصّنا به من العلوم والسموّ المُتوَالْ، ومن إرشاد الضّال، وهداية الجُهّال، وحماية دينه من أن يُضام، أو يُهان، أو يُغال، وإحياء ما سنّ الله وشرع، فتراه في غاية الاعتدال، وإماتة ما ظهر من البدع، فالمبتدع يهان ولا يقال، ونشر العلوم، وطاعة الحيّ القيوم في كل حال، وحمل الباهض، وكشف الغامض الذي ضاق فيه المـجال، وحُسْن المحاورة عند المذاكرة والمناظرة والجدال، وتقويم المائل، وشفاء علة السائل فيما أورد من مسائل وسؤال، وتمزيق إهاب كل شك عرض له ولبسٍ وإشكال، وبيان كل مجمل، وفتح كل مقفل قد استحكمت فيه الأقفال، بإعانة الله وتوفيقه وهدايته ولطفه، {ومن يضلل الله فماله من وال}، والصلاة والسلام على سيدنا محمد على مرور الأيام والليالِ، وعلى آله الطيبين الطاهرين الذين هم خيرُ آل، [وبعد]
فإنه انتهى إلينا وورد علينا من بعض المحقّقين، النحارير المدقّقين، أبحاثٌ شريفة لطيفة، طريفة عالية منيفة، وأسئلة كريمة رائقة وسيمة، فائقة فخِيْمَة، أبهى من مُفَتَرَّ() الحدائق، وعقود الشذور في أعناق العواتق، تميس في بُرْدِ البلاغة القشيب، وتبجس أنهارها عن كل أمرٍ عجيب يتعلق بأهداب أنواع أجناس علوم الاجتهاد، التي يدور عليها لولب الإصدار في الأحكام والإيراد، وهي السُّلم إلى استثمارها منها والمعراج والوسيلة إلى الاستنباط لها والإستخراج، وكذا تتعلق بعلوم أُخَرْ خارجة عن ذلك المنهاج، فأسمنّا الطّرف في رياض زهورها، وكرعنا في حياض نهورها فوجدناها درةً ثمينة في المسائل، فائقة في القيمة على ما أورده كل سائل، تتبختر من النّفاسة كتبختر العروس في تلك الغلائل، ويزخر عبابها بلآلئ تهدي السرور وتنفي البلابل، وتقضي لمنشئها، ومؤشئها، وناظم عقود لآلئيها، ومودع تلك المعاني فيها بأنه نقطة بيكارٍ في العلماء الأخيار، ودرّة تقصار() في الشموس والأقمار، وقرّت أبصار في عيون أهل الأعصار، وعزة() ذي فخار في البادين والحضار، لا جرم أنه ممن يزري بابن داب() في الآداب، ويبدي من الوطاب، من معين الخطاب، ما يستجاد ويستطاب، وهانحن نعقل إن شاء الله ما شرد عليه من معانيها العجاب، ونذلل ما توعر وتعسر من مبانيها الصعاب، من غير إيجاز مُخِلّ ولا إطنابٍ ممل ولا إسهابٍ، ونمزق من الإجمال والإشكال والإقفال كل إهاب، ونبدّد أجزاء كل جلباب عليها، بعون الله وحجاب، ونبين كل سؤال بلفظه، ونلصقه ونردفه بالجواب، ونأتي به إن شاء الله على صفة الرّفو() المستجاد المستطاب للتقريب والبعد عن التشعيب الذي يكره ويعاب، ومن الله نستمد التوفيق لاعتماد التحقيق النافي للشك والارتياب.
قال السائل() : الحمد لله الذي رفع منار العلم المنير، وقمع أنصار الجهل المُبير، وصلاته على رسوله البشير النذير، وعلى أهل بيته الذين أذهب الله عنهم الرّجس وخصّهم بالتطهير، وبـــعد؛
فهذه مسائل يسيرة، تشهد لِـمُورِدِهَا بخَور الطبيعة وضعف البصيرة، غير أنها مفرغة في قالب الإيجاز، عاريةً عن التعمية والإلغاز، وبأقل منها وأجلى يحصل الغرض، لمن لم يكن في قلبه مرض، على أني كنت قد ضربت عن إيرادها صفحاً، وطويت دونه كشحاً، مخافةً للتثقيل والإبرام، ومحبة للتخفيف عن الإمام، مع خفيات اسرار، ومكنونات أخبار، يحسن سترها، ويستهجن ذكرها، من ذلك أن الإنسان إن ذكر سؤالاً جلياً، قيل: هذا مما لاينبغي أن يسأل عنه، ولايشتغل به وهو كقول القائل (السماء فوقنا والارض تحتنا). ونحو ذلك مما قاله عليه السلام في كثير من المواضع، وإن أورد سؤالاً فيه نوع خفاء. وإن قلّ، قيل هذا من التعنت المحرم، والأغاليط المنهيّ عنها ونحو ذلك، كما أشار إليه عليه السلام في بحث اللغة، ثمَّ إذا أجبت عن الأسئلة وقع في ذلك تسامح، وإن ذكره الإنسان حُقِدَ عليه، وإن تغافل عنه استُخِفّ به، إلى غير ذلك، والله المستعان، وصبرٌ جميل، فعارض ذلك مرجحات لإيرادها صالحة، ومصالح في ذلك راجحة، من جملة تلك المصالح المرجحات والأغراض التي لامندوحَةَ عنها؛ معرفة الاجتهاد، الذي تنبني عليه صحة الإمامة التي هي من أهم التكاليف الشرعية، والله المسؤل أن يهدينا إلى الصراط المستقيم، لتكون أعمالنا خالصة لوجهه الكريم، بمنِّه وطَوله، وحوله وقوّتِه، آمين.
الـسؤال من الفقيه العلاّمة بدر الدنيا والدين درة تاج العلماء الراشدين، والأجوبة من الإمام، علم الأئمة الأعلام، المقتعد من الفضل والعلم على السنام، النّاصر لدين الملك العلام؛ الحسن بن أمير المؤمنين عزالدين بن الحسن بن أمير المؤمنين علي بن المؤيد بن جبريل عليهم أفضل الصلاة والسلام، وقد ألحق الفقيه عقيب اطلاعه على الجواب ما نذكر في الحاشية()مما استحسنه، يعلم ذلك، وذلك مفرق فيما يأتي إن شاء الله تعالى ..
سؤال(ح): على قوله تعالى: {وَلَوْلاَ أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَن يكفرُ بالرحمَن لبُيوتِهِم سُقُفاً من فِضَّة} [الزخرف:33] .. إلى آخر الآية، ظاهر الآية ودلالتها أنّ الله تعالى لوجعل ذلك لمن يكفرُ، لكان مفسدة قبيحا.