تنبيه:
أما إذا اتفق أمر لا يستغني فيه عن التأليف، ويقع بسبب تركه مفسدة أو فوت مصلحة، ويتضيق وقته بحيث أنه لم يتمكن من الإستئذان فيه، فالواجب عليه أن يفعل وأن لا يترك ذلك تحريجاً، واللائق بالإمام أن يصوبه فيما فعل ويشكره عليه، وإن لم يستحسنه لوجه خفي عن العالم، أو اجتهاد خالف اجتهاده، فالأقرب أن يضمن وصول ذلك، لا يخفي ولا يفتقر إلى ضرب مثل، وشرط ما ذكر حصول القطع فيه، فلا بد أن يقطع أنه إن لم يتألف في ذلك الغرض فات، أو أنه [إن] لم يتألف وقع فساد، من انتهاب لما في يده، أو ظهور معصية الإمام، وخلاف، ولا بد أن يقطع -أو يظن ظناً مقارباً- بأنه إذا فعل حصل الغرض المقصود من حصول النفع أو اندفاع الضرر، ولا يكفي توهم ذلك أو ظنه ظناً ضعيفاً بحيث أنه لا يأمن أن ينفق ما ينفق ثم لا يحصل الغرض.
وأما الطرف الثاني: وهو ما يلزمه من العمل مما أمر به من إنفاق أو غيره، فلا لبس في وجوبه، إذ هو مأمور فيجب عليه امتثال أمره لأنه فائت، فيلزمه قبول ما ورد عليه من المستنيب له، ومأمور يتحتم عليه طاعة الإمام، ولو أن الإمام أمره بأن يطرح ما جمعه [في] البحر أو يرمي به من شاهق في البر للزمه ذلك، إذ لا يمكن القطع به، ولا صلاح فيه، فلعل فيه صلاحاً قد علمه الإمام، ولا يحتج بعدم علمه إياها، فإن ما يعلم أكثر مما علم، وأوضح من هذه أن يأمره بالتسليم إلى رجل يعتقد أنه لا يستحق أو لا مصلحة في إعطائه، فإن نظر الإمام فوق نظره وعليه الامتثال لما علم وجهه وما لم يعلم، اللهم إلا أن يعرف أن الإمام إنما أمر بالاعطاء لسبب، وذلك السب لا وجود له، كفقر أو عمل أو قضاء إرب، وإنما اتفق غرر الإمام فيه، فحينئذ يحسن فيه تلقي ذي الحاجة الواردة عليه بأمر الإمام تلقياً حسناً ينطوي على تفخيم شأن أوامر الإمام، كأن يقول أمر الإمام مطاع وأنت على خير، ثم يراجع الإمام مشافهة أو مكاتبة وينبهه على ما علمه من عدم ثبوت السبب الموجب، فإن أمره بالفعل إما استحياءً عن الرجوع فيما قد أسعد به أو لمصلحة أخرى فعل، وإن أذن له في الترك ترك على وجه جميل، وأوضح للطالب العذر على ما يراه من إجمال او تفصيل، وخالقه بخلق حسن.
وحاصل الأمر أن طاعة الإمام في الإقدام والاحجام لازمة له وواجب عليه، وأن اللائق بحاله المسارعة إليه، وأن الإمام إذا سمح بسائل، أو أمر بإعطاء سائل، والانقياد إلى ذلك والمسارعة إليه من فرض العامل طاعة الله تعالى ولإمامه، واغتناماً للأجر في ذلك كما ورد في الخبر المتقدم نقله: ((الخازن الأمين الذي يفعل ما أمر به بتعطيه كلاماً موفراً ويدفعه إلى الذي أمر به أحد المتصدقين))، ولأن في ذلك كسب صنيعة، واستدعا ثناء ودعاء وشكر بغير غرامة ولا مشقة، فهل العدول من ذلك إلى المنع الذي هو معصية ومأثمة ومبتدع لأسواء الثناء وموجب الذم والملامة إلا من قبيل الخذلان والحرمان، فأقل ما قيل ما يفعل العامل أن يتلقى ذا الحاجة ومن بيده فضل الإمام بالبشر والرحب والخلق الحسن، ويجانب التعبيس والتقطيب، وما يشين ويريب، فإن كان المطلوب منه لم يتعلثم ولم يمطل ساعة واحدة، وإن كان يده خالية وهو واثق بحصول شيء يعطيه عرفه بذلك ووعده لحصوله، وإن يكن الشيء حاصلاً في جمعة نازحة عرفه بذلك وسار معه، أو أرسل من يعطيه إياها، أو كتب له، وليجانب المطل الذي لا موجب له فإنه شين وتنغيص وتكدير لمروة الإمام، وجالب للملام، وإن لم يبق في يده شيء أو لم يحصل له شيء، ولا يرجو شيئاً قريباً عرفه بذلك، وتأسف لعدم حصول غرضه وإحقاق مسعاه، وكتب معه إلى الإمام بذلك، وإن صدر من ذي الوصل أذى احتمله، وصبر عليه، ودفع بالتي هي أحسن، ومع التمكن من التسليم يسلم إليه ما ذكر من غير زيادة ولا نقصان، وإن خطر بباله أن هذا يستحق الزيادة على وجه له راجع نفسه: بأني أمين ليس لي أن أعطي مالم أومر به، والإمام أعرف مني بالأرجح في التقدير والأولى من القليل والكثير. وإذا خطر بباله أن هذا العطاء أكثر مما يتوجه لمثل هذا المعطي، وإن قيل: هذا يجحف بالإمام فينبغي النقص. فليتأمل ليعرف أن فرضه للامتثال فقط، وأن الإمام أخص منه بذلك، وما رضي به فعليه أن يرضى به، ولا يخالفه فيه، اللهم إلا أن يستقل ما عيّن، فترجح له، أن يزيد زيادة مما هو له أو يستأذن الإمام فيها إن أمكنه الاستئذان، أو يفعل ما يعقل، وله نظر الإمام في حسبانها له أو عليه وعدم مساغها له.
تنبيه:
أما إذا استنكر ما ورد به وصل الإمام وجوز الغلط في الكتابة، كأن يوصل لرجل خفيف القدر بمائة أوقية بحيث أن مثل ذلك يعد خارقاً للعادة، ولا يمكن تقدير وجه يقتضيه، ويقدر أن القصد إلى مائة درهم مثلاً، وإنما وقع لفظة أوقية في مكانه من سهو القلم أو مثل ذلك فقد يتفق، فينبغي في مثل [هذا] المقام التثبت والاستمهال حتى يتحقق الأمر، ولا عتب في مثل ذلك، وإنما الذي منعنا عنه أن يتحقق قصد الإمام إلى العطاء الكبير ويمتنع لعدم استرجاعه.
تنبيه آخر:
إذا وجه الإمام لشخص شيئاً إلى عامل ليعطيه إياه من ثمرة معنية، أو مصلحة مبينة، فلم يدرك منها شيئاً، فلا ينبغي أن يخيره العامل في ذلك من ثمرة أو مصلحة أخرى، لأنه لم يؤمر بذلك، ولا يأمن أن يكون قد بدأ الإمام بطول المدة، واختلاف النظر، واختلاف حال المعُطى في غنى وفقر وموالاة وغيرها، وأيضاً فلا يأمن أن يكون الإمام قد عوضه في ذلك، فمثل هذا لا ينبغي الإقدام عليه إلا بأمر جديد.
تنبيه آخر:
ما ورد من الأوصال مبيناً، ملخصاً، منطوياً على ذكر القدر والجنس والنوع والصفة، ففرضه أن يعمل به، وقد ارتفع اللبس وقطعت مادة التردد، وإن ورد وصل الإمام مطلقاً في ذلك كله أو في شيء منه ففرضه أن يجري مجرى الأقدار، ويحمله على أدون لما يمكن ويعتاد من ذلك، فإذا أمره بتسليم ثوب مثلاً نظر في الثياب المعتادة ويسلم من أقلها قدراً وقيمة في جهته، وإن قال: كذا وكذا درهما. وفي الجهة نقد، أو إن قال: أوقية. وفي الجهة صرفان، سلم من أدونهما، وإن قال كذا وكذا حباً. فسلِّم من أدون أجناس الحبوب التي يعتاد الهبة منها وأخفها، وإذا قال كذا وكذا مداً، أو زبدياً، أو صغيرة، أو مشرفة، أو غير ذلك حمله على الأقل إذا كان في تلك الجهة مكيالان متفاوتان أو أكثر.