كنقص
القادرين على التمام
واعلم: أن النية هي كقطب الرحى للعمل، فعليها من الأعمال مدار الأعمال الأخروية ولا قول ولا عمل إلا بنية، وهي بالقلب لا باللسان.
وقد ورد في هذا المعنى من السنة والقرآن ما يستغني عن الفعل والبيان كقوله صلى الله عليه وآله وسلم : ((إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى))، وهو من الأحاديث المشهورة المباركة المبرورة حتى قال بعض العلماء هذا الحديث يبنى عليه ربع الإيمان، وهو مما رواه عمر بن الخطاب وادعى علماء الحديث فيه التواتر.
وعنه صلى الله عليه وآله وسلم : ((الناس على نياتهم))، رواه أبو هريرة.
الأدب الخامس:
حسن المعاملة لمن ولي عليه، وأن يجد في الرفق وحسن الاستدعاء لهم إلى الطاعة والتسليم والانقياد، ولابد لهم في أول الأمر أن يعرض لهم وحشة عنه، وتنزه وإزورار، لا سيما حيث لم يكن قد سبقت بينهم وبينه معرفة واختلاط، وحيث كان عليهم قبله متول غيره، فليلطف ويتدخل إلى ما يريده منهم ويحسن المراجعة لهم كل ما يليق به، ويصبر على ما قوبل من أذى أو نفرة، أو وقع فيه من مشقة أو عسرة، ثم ليبسط لهم عذره في التولي عليهم، ويعرّفهم بأن هذا أمر قد وجب عليه، إما بإلزام الإمام أو لأنه أمر ديني، ونفع الإمام واجب على من يحسنه ويمكنه، ثم ليعرفهم نحو الإمام وجوب طاعته، وما في ذلك من الخير، وما في خلافه من الشر والضير، ولا ييأس لما يراه من جماحهم وإباهم، ولا يعتقد استمرآهم() على ذلك فهم عما قليل راجعون، وإذا اشتد جماحهم وتعاليهم فليجتهد في إصلاح واحد منهم واستدخاله في الطاعة فما أسرع تلاحقهم، وللرعية الذين تنفذ عليهم الأوامر مزاج وعلاج، وكذلك لم يقاربهم في الرهبة والخوف من عواقب المعصية، وللأخيار أهل العزة علاج آخر على الجملة، ولكل مقام مقال، وقد كان لبعض أعوان الأئمة فيما مضى بشر عظيم في المعنى للصبر الذي كان عليه، مع حسن القصد، ولطف المعاملة والإحكام فيها، والله مع الصابرين.
ومما ينبغي أن يعرفهم به ما في التسليم إلى الإمام من الفضل وعظيم الأجر، ومشاركته فيما هو فيه، وكون ذلك حظهم من الجهاد معه، فإنه لا ينبغي ممن قعد عن الجهاد بنفسه أن لا يحترم الإعانة بحق الله الذي لا نقص عليه في تسليمه ولا خلل، وأنه إذا كان لا بد أن يخرج زكاة فصرفها وتسليمها إلى من يجزيه التسليم إليه، بل يثاب أسنى الثواب عليه، أولى له وأخلق به من أن يصرفها على وجه لا يخلّصه، فيصير غير متخلص بها في أخراه، ولا مشفع بها في دنياه، ونحو هذه المعاني المحكمة المباني، وملاك هذا الأدب هو الصبر على معاناتهم وأذاهم، وعدم التأنف والمنافرة، والمقابلة لما صدر منهم من مساوي الأخلاق بمحاسنها، وأن يدفع بالتي هي أحسن، فإن الخلق الحسن هو مرهم هذه الأمور والمقاصد، ونيل المآرب والفوائد، والمرقاة إلى درك الأمر العسير، والذريعة إلى التوسعة والتيسير، ومع ذلك فهو أمر سهل يسير لا يفتقر إلى تعب، ولا يقضي بالمتخلق إلى نصب، والله تعالى الموفق.
الأدب السادس: