وبه نستعين والحمد لله رب العالمين

حمداً لله على ما أهلنا للإرشاد والهداية، وللرغبة إليه في أن يقينا أخطار الزعامة والولاية، والاستعاذة به من الندامة والملامة لأجلها وسوء الغاية، واستمداد التوفيق منه لنا ولإخواننا وأعواننا وأرباب العمل منهم والسعاية، والتوكل عليه والإركان إليه في البداية والنهاية.

والصلاة والسلام على رسوله سيد الأنبياء وعترته الأصغياء، ما خفقت راية، وتليت آية [وبعد:]

 غير عازب عن الأفهام ما يلزم الإمام، من الاهتمام بالخاص من المصالح والعام، وإن التكاليف المتعلقة بالإمامة لن تقوى عليها الجبال، مدارها على تحصيل بيوت الأموال، بأيدي السعاة والعمال، خاصة في هذا الزمان الذي لم يبق لأهله تعويل على غير الدرهم والدينار، وليس لهم التفات إلى ما أوجبه الله تعالى من حقوق الإمام، ولا نظر في ذلك ولا اعتبار، ولم نزل نتأمل حال أولي العمل، ونؤمل منهم الاستقامة فيخيب الأمل، حتى [لا] يكاد يظفر منهم بما() يرضى سجاياه إلا الأقل.

فرأينا بعد استخارة الله عز وجل تحرير هذه الرسالة، وتصدير هذه المقالة إلى عمالنا كافة، ليكون لهم عن التفريط فيما يلزمهم من تكاليف الولاية كافة، وسميناها (وسيلة العمال إلى صالح الأعمال)، ونرجو أن يتقوم بها الأود، ويصلح لأجلها ما فسد، وتوقظ من غفل، ويتضح مسلك السلامة في العمل، وموضوعها تعداد الآداب التي ينجو باعتمادها العاقل من العذاب، ويفوز بها يوم المآب، وضمنه ما لا تحتوي ما سلف من مؤلفات السلف، فهي درة ثمينة، وجديرة بأن يتأخذها الولاة والسعاة غنيمة، والله تعالى ولي التوفيق في القول والعمل، وبه الاعتصام من الخطأ والزلل.

الأدب الأول:

أنه لا ينبغي للإنسان أن يتعرض لطلب الولاية ويتصدى لها ما لم تتوجه عليه لأحد الوجوه التي نذكرها في الأدب الثاني إن شاء الله تعالى، وذلك لأن الولية يتعلق بها تكاليف وأخطار، وجدير بالعاقل أن يهتم ويغتم بما عليه من التكاليف التي لا مندوحة له عنها، ولا مخلص له منها، وهي المتوجهة إليه عند إكمال أبنية عقله، فعل من يقوم فيها بما يجب عليه ويلزمه، فكيف يتصدى لتكاليف أخر لا يجب عليه إدخال نفسه فيها؟ ويحملها باختياره لها!!؟

وأما من لا يثق ينفسه، ولا يغلب على ظنه قيامه بتكليف العمل والتولي فلتشتد الكراهة في حقه، بل لا يبعد خطر ذلك عليه، لما ورد فيه من الوعيد والتهديد، والترهيب والتشديد، فقد روت عائشة أم المؤمنين عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم  أنه قال: ((ويل للعرفاء، ويل للأمناء، ليتمنين أقوام يوم القيامة أن ذوائبهم معلقة بالثريا يتذبذبون بين السماء والأرض ولم يكونوا عملوا على شيء)) ()، وورد هذا الحديث من طريق أبي هريرة بلفظه قال صلى الله عليه وآله وسلم : ((ويل للأمراء، ويل للعرفاء، ويل للأمناء، ليتمنين أقوام يوم القيامة أن ذوائبهم معلقة بالثريا يدلون بين السماء والأرض وأنهم لم يلوا عملاً))، وعن سعد بن أبي وقاص قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ((إن في النار حجراً يقال:[له] ويل، يصعد عليها العرفاء وينزلون))، وعنه صلى الله عليه وآله وسلم  أنه قال: ((أنه سيفتح عليكم مشارق الأرض ومغاربها، وأن عمالها في النار إلا من اتقى الله عز وجل وأدى الأمانة)).

الأدب الثاني:

أنه ينبغي للإنسان التأهل للولاية حيث يتعين عليه، إما لعدم سد غيره مسده فيها، أو لتعيين الإمام وإلزامه إياها، أو حيث يكون في توليه إدخال سرور على الإمام، أو دفع اغتمام عنه، وكفاية ما أهمه منه، أو حيث يكون قوياً عليها أميناً فيها، مع الثقة من نفسه أنه يعمل بمقتضى التقوى، ويراقب عالم السر والنجوى.

206 / 331
ع
En
A+
A-