وليتأمل ما ذكرناه، فإنِ ادَّعَوا أنَّا أخلفنا فيما كنا وضعناه لهم من كون محصول الجهات إليهم فقد عرف جوابه من سياق الكلام، وحاصل ما يجاب به ثلاثة أوجه:
الأول: أنا شرطنا ذلك بأن نغفل عن الجهة، وقد صرنا غير غافلين عنها، بل صارت أكثر الإقامة بها، وكثر التردد إليها، بحيث أنا لا نكاد نقيم في وطن شهراً واحداً، ونحن نقيم فيها الآن، الأشهر المتوالية.
الوجه الثاني: أنهم الذين عجزوا عن ذلك، وقهقروا عنه، بعد أن خيرناهم في البقاء عليه، والانتقال إلى ما هو الأصلح لهم منه، وخطهم شاهد عليهم، ومن حضر بيننا وبينهم.
الوجه الثالث: أن ذلك مشروط بمطابقة الشريعة والمصلحة، والشريعة والمصلحة يقضيان بأنه لا يجوز تسليم الزكوات الكبيرة الواسعة إلى من يفرط فيها ويصرفها في غير مصارفها، وتصير عهدة المسلمين محتاجة إلى ما يشق تحصيله أو فانية، ثم أنا نقطع اللجاج ونقول لا بأس عليكم بما يحصل من جهات السودة، وهاتوا لنا وثيقة في قيامكم بما تحتاجه العهدة والبلدة، وكفايتكم لنا في ذلك، ونحن نقبلكم ونرضى بذلك الأمر.
الرابع: مما وضع لهم تسليم العهدة إلى من صلح منهم بعد موتنا، مع عدم قيام إمام مرضي... إلى آخر ما ذكر، وهذا لا يتصور دعوى الخلف فيه، إلا بأن يصدر منا في الحياة أمر للوالي بخلاف ذلك بعد الموت، والذي صدر منا أمره بأن يعمل بذلك، ووضعنا فيه خطاً في هذه المدة القريبة لما عرض لهم الشك في الوفاء، وذكرنا ما يقتضي ذلك في وصيتنا التي شهد فيها عدة من الفضلاء.
فهذه
الأمور الموضوعة لهم، وهذا جوابنا فيها فليتأمله الإخوان بعين الإنصاف والعرفان، فإنهم
يتيقنون أن نسبة الْخُلف في ذلك إلينا نوع من التعدي علينا، وربما أن في الخط الذي
لم يرتضوه وأرادوا منا إبداله ذكر أن لهم قضاء ما كان قد علقهم من الديون، فإذاً
يجب عن جواب هذا.
فجوابه: أنا قد وفينا لهم بذلك، ومكناهم من قضاء ديونهم، فما زالوا يقضونها
بأيديهم، ثم لما بنينا نحن وهم على أن حوائجهم تكون من أيدينا، قلنا لهم: فما
الباقي من ديونكم لنقضيها حسبما وضعناه لكم؟ فرقموها في آخر الخط المتقدمة، حكايته
بأيديهم، وعينوا ما بقي من الديون عليهم بعد أن قضوا منها ما لا يحصى لكثرته وسعته،
فقضينا جميع ذلك، ثم قالوا لنا من بعد: أن ثم ديوناً أُخر ذكرناها فقضينا حتى لم
يبق لهم دعوى، وإن كان في الخط المتروك ذكر أن الحجج المتعلقة بادعائهم مصروفة
إليهم فنحن باقون على ذلك وملتزمون له، وغير معترضين لهم في تلك الأمور، حتى أن
خصومهم يصلون إلينا ويعولون في قبول المتوجه منهم علينا، ويعرضون وجوهاً من
الإنصاف يليق أن يلتقى، فنصرف النظر في ذلك إليهم ونحيل في جوابه عليهم، ويثور
بسبب عدم قبولهم له فتن ومحن، ومشاق ومضار، كل ذلك مبالغة في الوفاء، ومحبة لبقاء
الوداد والصفاء، ولكن الأخطية فلا أليه، والمقصود الله والمعول عليه رضاه، وهو
حسبنا وكفى، وسلام على عباده الذين اصطفى.
***
بسم الله الرحمن الرحيم