وفي الأصل: بلغ قصاصة حسب الطاقة والإمكان.
بسم الله الرحمن الرحيم
أما بعد حمد الله على سوابغ إفضاله، وبوالغ منحه وآلائه، فهذه رسالة أنشأها مولانا، ومالك أمرنا، وخليفة عصرنا، أمير المؤمنين الهادي إلى الحق المبين، أبو الحسن عزالدين بن الحسن بن أمير المؤمنين، أدام الله تأييده وأكمل سعوده، وجهها إلى الفقهاء الأخيار، الفضلاء الأبرار بهجرة الشاحذية كثر الله أمثالهم، وبلغهم في الصالحات آمالهم، ليطلعوا على ما تضمنته هذه الرسالة البديعة من الألفاظ الجلية، والمعاني القوية، وكون ساحته عليه السلام عن اللوم برية، ومعاملته لمن سيذكره حسنة مرضية، وكان إنشاؤها في محرم سنة خمس وثمانين وثمانمائة.
قال عليه السلام : نحمد الله على سوابغ الإحسان، ونشكره على ما مَنَّ به من كثرة الإخوان وسعة الأعوان، ونسأله أن يطهر الأفئدة عن وساوس الشيطان، وأن يجمع القلوب على سلوك محجة الأمان، وينـزع الغل منها في الإسرار والإعلان، كما سأله الصالحون من قبل بنص القرآن، ونصلي على نبيه المصطفى من عدنان، وعلى آله أقمار الهدى وشموس الإيمان، وعلى التابعين لهم وتابعي التابعين بإحسان.
وبعد: فغير خافٍ على أولي الأفهام وأرباب النهى والأحلام ما أوجب الله سبحانه على المأمومين للإمام من تعظيم أمره وأن يُقدروه حق قدره، وأن يمتثلوا ما ورد عليهم من نهيه وأمره، وأن تكون ظنونهم فيه حسنة، وأفعاله عندهم مرضية، مالم يكن وجود القبح فيها بينة، وأنه إذا اختلف رأي الإمام والمأموم وجب على المؤتم أن يقف من رأيه على حد معلوم، وهو أن يعرض من الرأي على الإمام ما لديه، فإن رآه راجحاً عمل عليه، وإن رآه مرجوحاً لم يكن للمؤتم أن يوجه اللوم إليه، وإذا كان في أمر إنشراح قلب الإمام وطيبة نفسه ولم تطب نفس المأموم إلا بخلاف ذلك وعكسه وجب على المأموم تقديم مرام الإمام على مرامه والعمل بقول المصطفى: ((ليس للمرء إلا ما طابت به نفس إمامه)) ()، وأنه إذا وقع في نفس المأموم موجدة على الإمام لأمر حدث منه، وعرض في يوم من الأيام، وجب عليه أن يدافع النفس التي هي بالسوء أمارة، وأن يذكر ما يجب عليه من حقوق الإمامة، وأن يستخرج لإمامه المحامل الحميدة، فإن ذلك في حق كل مسلم من الأمور اللازمة والأنظار السديدة، فإن لم يجد للظن الحسن مجالاً، ولا لما عنَّ له وَحَكٌ في صدره زوالاً، نهض إلى الإمام إن كان بعيداً، وطلب منه في زوال شكه عملاً مفيداً، وخاطب الإمام في ذلك بالخطاب اللين والسؤال الواضح البين، وإذا لم يجد من الجواب ما يشفيه، ولا اطلع من الأعذار على ما يكفيه، نظر في ذلك الأمر بعين الإنصاف، وتأمله بذهن عن الأهواء صاف، فإن وجد أمراً يخرج الإمام من الإمامة، ويبطل ما ثبت له من الأمارة والزعامة، وإلا وجب عليه البقاء على طاعته، وعدم القدح في إمامته، وأنه إذا انتهت عن الإمام شكوى، وبلغت إلى أولي العلم والتقوى، وجب عليهم أن لا يتبادروا إلى المعتبة، وأن لا يحكموا بأن تلك الشكوى لسوء الظن موجبة، وأن يقولوا نحن من كمال الإمام على يقين، ومن كونه ذا فضل ودين ورأي حسن رصين، ولا يعرض ليقيننا شك ولا تخمين، ولو كان الشاكي عدلاً، وممن حوى كمالاً وفضلاً، فإن خبره لا يتعدى مرتبة الظن، ولا ينبغي أن يخرج عن اليقين لظن عَنَّ، فإن دخلت تلك الشكوى في القلوب، وكان الإنصاف وعدم الاعتساف هو المطلوب، حسنت مباحثة الإمام بوجه لطيف، والإخبار له بما نقل عنه والتعريف، وأن يفهم منه الجواب، بخطاب مشافهة أو كتاب، هذا طرف من ذكر حقوق الإمام أضاعه -والله- كثير من الأنام، وساموه ما لا ينبغي أن يسام، وعكسوا القضية في حقوقه، وتمادوا في قطيعته وعقوقه، وأهملوا ما يتوجه له وأضاعوه، وبنوا على أنهم مطيعون له وما أطاعوه، فالعين من ذلك عبراء، والنفس بنا من الوجد حرَّا، لولا امتثال ما أمر الله به من الصبر الجميل، ورجوى ما وعد به من الثواب الجزيل، ومعرفة أنه لا بد من الوقوف بين يديه، وعرض كل دقيق وجليل عليه، فرددنا ما يأتينا من ذلك إليه، ورجونا الإنصاف والخيرات من لديه، هذه نفثة مصدور، وأنَّةُ قلب محرور، إذا تلقيت بآذان واعية، وأذهان لمعرفة معانيها الحسان راعية، كانت لمن وفقه الله نافعة شافية، ولكثير من القالات العارضة قاطعة نافية، ومن أسبابها ما حكم به علينا، ونسب من الْخُلف وعدم الوفاء إلينا، في شأن الأمور المتعلقة بآل الفقيه عفيف الدين، محب أهل البيت المطهرين، وكان ذلك يبلغنا عمن لا ينظر إليه، ولا يلتفت عليه، فلم نرقم لأجل ما بلغنا عنه كلمة ولا كلاماً، نظراً إلى قوله تعالى: {وإذا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُون قالُوا سَلاماً} [الفرقان:63] حتى أفَضتِ الحال، وانتهى ذلك المعنى وآل، إلى أن صدر الملام، وسمع في ذلك الكلام، ممن مرتبته عالية، وهمته سامية، ومودته شافية، وعنايته في جانب الحق وافية، فحينئذ توجه أن نوضح المحجة ونقيم الحجة، ونخوض من شأن ذلك في اللجة، ويعرض الكلام على أهل النهى والأحلام، من الإخوان الفضلاء الكرام، وإن بان لهم منا بعد ذلك منها أمر يريب، ويستنكره الأريب، وجدوا الإنصاف بمكان قريب، وإن بانت لهم إصابة الصواب، وأنه لم يصدر منا ما يعاب، انشرح صدر كل امرء منهم -إن شاء الله- وطاب، وزالت الأعتاب في هذا الباب.
ونحن نقدم قبل شرح تلك القصة، نبذة مما يحتاج إلى تقدم فهمه وحَصّه، ونقول: الذي يضعه الإمام في خطوطه ويعد به لا يخلو إما أن يكون واجباً في نفسه، أو انكشف له أنه لا يجوز بعد أن وضعه معتقداً لجوازه، أو لا واجباً، والآخر إما إن كان واجباً فلا شك أنه يجب عليه الوفاء به ويتحتم، وإن كان حراماً بالانكشاف فلا كلام أنه يجب عدم الوفاء به، كما لو وعد رجلاً بأن يوليه جهة من الجهات ظاناً لصلاحيته للولاية، أو وعد رجلاً بأن يصرف إليه بعض الحقوق الواجبة ظناً منه لاستحقاقه، ثم انكشف غير مستحق، أو نحو ذلك، وإن كان لا واجباً ولا حراماً كأن يضع لرجل خطة بأن يوليه الجهة الفلانية وهو ممن يصلح للتولية، وغيره يصلح لها، ثم ولاها غيره، أو بأن يعطيه كذا وكذا وهو مصرف لذلك ثم منعه، فما هذا حاله إن ترك الوفاء به نظراً في الأصلح واعتبار الأرجح، كأن يكون في صورة التولية تولي غيره أوفق وأصلح، وفي صورة الإعطاء إعطاء غيره أنفع أو هو أحوج، فمثل ذلك لا يلام عليه الإمام، ولا ينبغي أن يوسع عليه فيه الكلام، فإن كان لا على جهة اعتبار الأصلح، بل بدا له أن يترك ذلك، لا لصارف عن الفعل فهذا يعاب، ولا يليق بشريف النصاب، لكنه مع ذلك لا يقدح في الإمامة، ولا يجرح المأموم عن تكاليفها العامة، وهذا أمر لا يجهله عاقل، ولا ينكره إلا جاهل.
ويلحق بهذه المقدمة نكتة يتوجه علينا أن نوردها من قبيل التعريف لمن أراد أن يتعرف لا من قبيل سلوك سبيل من يتعظم ويتعجرف، وهي أنا بحمد الله على ما وفقنا له من محاسن الخصال، ووصائف الكمال، وأن جعلنا من أهل الصفاء والوفاء، وعدم الغلظة والجفاء، وبالله العظيم إلية مبرورة ما نعلم أن أحداً بلغ كتعويلنا في المحافظة على الوفاء ما بلغنا إليه، ولا أن أحداً له عليه من التعويل ما لنا عليه، ولا أني تركت شيئاً قد وضعته إلا لكون تركه أصلح وأرجح، وأقرب إلى رضاء الله، وأبعد من سخطه الذي لا يرضاه، أو لاختلال شرط فيما وضعته، صرحت به أو أضمرته، وما أعلم من نفسي أني وضعت شيئاً وأنا حال وضعي له بان على نقضه، ومضمر للخلف في كله أو بعضه، ولا أن نفسي دعتني إلى الغدر في حق أحد يعلم ذلك مني الصمد الأحد، ومن ادعى على الله علم مالم يعلم، فقد ارتكب أمراً عظيماً وتجشم.
ثم إنا نشرح ما كان من أمر السودة، ونوضح فيه سيرتنا المحمودة، وطاعة الله هي المقصودة، ولا بد أن تظهر حقائق الأشياء يوم تصير جوارحُ الإنسان شهوده، وذلك أنه لما اتفق المقام المحمود والموقف المشهود بالهجر، وسطع فيه نور الحق وظهر، تقدمنا إلى السودة، ووقع في أمرها خوض طويل أوضحنا فيه أنا لا نرتضيها، ولا نستقر فيها إلا وأمرها إلينا وهي لنا وعلينا، هي وعهدتها وما يتعلق بها، ولا نرتضي جهة [أن يكون] أمرها أو بعضه منوط بغيرنا، لأن أحكام الإمامة والولاية العامة لا يصلح أن يختلط بها غيرها، ولا أن يشرك في أمر الإمام غيره، وطال الخوض في ذلك حتى طلب منا أن نأمر الوالي بالضمانة فيما وضعناه لآل الفقيه، فلم نجب إلى ذلك، لكون فيه بنا علقة لا يؤمن أن يسري إلى غير ذلك، وأن تكون علة للوالي في التعنت ويعسر الانعزال، وقلنا: نحن لا نفعل هذا لو أدى إلى ترك الجهة وتجنبها، فخاض جماعة من فضلاء الإخوان في الحديث، وطلعوا إلى آل الفقيه ونحن مخيمون في أسفل جبل شظب حتى تم الأمر، واستتب على أنه لا يبقى لهم في العهدة علقة لا شركة، ولا عدالة، ولا ضمانة، وكتب آل الفقيه خطاً للوالي يأمرونه بتسليم العهدة تخلية إلى أيدينا، [حين] وخرج الوالي بنفسه إلينا استخلفناه لنا، ولما استقررنا في العهدة، وصغنا لهم خطاباً بما طلبوه منا فلم يرتضوه، وأرادوا منا أن يكون آكد من ذلك، وبدلناه بآخر، وصار الخطاب الأول والآخر بأيديهم، وهذا لفظ الآخر الذي تولوا عليه ولم يقبلوا سوى عبارته: