|
وقـالـوا لـزيد أنت يا زيـد مـسلم |
وقـالوا لعـمرو أنت يا عـمرو مـجرم
ولا شكَّ أن للإمام يحيى عليه السلام من الاسترسال في بيع الوصايا ونحوها والتجاسر على ذلك ما ليس لنا، ولقد شاهدنا خط يده الكريمة في بيع مال مسجد في بعض نواحي حجور، وقال بعد ذكر البيع والشراء والمشتري: وصار المبيع له. أحل من ماله. ويقول في بعض الشيم التي يكتبها في ذلك: وصار أحل من الماء. ودعوى الكاتب لاقتصار الإمام يحيى على بيع تلك الأنواع غير صحيح، فقد ذكرنا آنفاً اطلاعنا على بيعه لمال مسجد على أن تلك الأنواع مالا يستجيز بيعه، وهو أن يعترف الواقف بأن عليه لله حقوقاً ثم يقف ماله ويذكر أن غلته تصرف عما عليه، فمثل هذا لا نستجيز بيعه إنما نستجيز بيع ما وقف عن الحقوق وجعل تسبيل رقبته عن الحق، فنحن نسوغ بيعه لوجه واضح ودليل راجح.
ثم أن الكاتب ذكر محافظة الإمام يحيى على حفظه العهد والميثاق، وما قاله بعض العلماء في استحلال نقض الذمم والعهود، سواء كانت ذمة الله، أو ذمة رسوله، أو ذمة العاقد، وفي تحريم ذلك.
أقول: لا شك أن الإمام يحيى بن حمزة من أبلغ الأئمة وأكثرهم تورعاً ومحافظة على الوفاء، وإن نقض العهود من معاصي الخالق المعبود، ولكن هذا الكلام لا يناسب ما قبله، ولا يلائم ما كان الكاتب بصدده، ولا يؤمن أن يريد به التعريض، فإن كان قصد ذلك فبئس القصد، وما أسوأه من ظن، ونعوذ بالله أن يكون نقض الذمم لنا من الشيم، وما والله يعلم في الأئمة المتأخرين سلام الله عليهم من له من المبالغة في تجنب الغدر وما يلام عليه ما هو لنا بحيث أنا، نقطع من أنفسنا بأن الدنيا لو حيزت لنا بحذافيرها ونكون مع ذلك من الغادرين لما رضينا ولا فعلنا، ولقد بلغتنا هذه المناقشة وعندنا من يبالغ في نبذ العهد والبراءة من ذمةٍ وضعناها لقوم كانوا بغوا علينا وبالغوا في إيصال الأذى إلينا، وعظمت أفعالهم ومبالغتهم في العداوة لدينا ورجحوا نقض الذمة والبراءة منها بانتهاز الفرصة منهم، واغتنام القيام عليهم، في وقت يقطع فيه باستيصالهم لأسباب اقتضت ذلك، وعرض علينا أعاديهم في ذلك ما أردناه منهم، وبذلوا الرغائب، واستشفعوا بالأعزاء في ذلك فما أسعدناهم، وقد بلغ الناس وعلم الله وعلموا مبالغة بعض أعوان الدولة الظالمة في جرحنا ونكايتنا، واستيلاءه على كثير من نفائس ما في أيدينا، وسبه لا لنا، وكثرة أذاه زماناً طويلاً، فلما ألجته الأيام إلينا استأذننا في القدوم فقدم إلينا خفية في جوف ليل مظلم وليس ثم أمر مما يمنعه عنا، فالتقيناه وأكرمناه حتى عَادَ منا كذلك في ليل، ولا شعور لأحد بذلك، مع أنا لم نقع منه على أرب، ثم استأذننا في الانتقال إلى بعض جهاتنا فأذنا له، فانتقل بأولاده وذخائر أمواله ونفائس خيله وأدراعه على كلام بيننا وبينه، فوقع الخلف منه، ووصل العدوان من عندنا، فرجح كثير من الناس في شأنه أموراً ما أسعدنا إلى شيء منها، وعاد إلى الظلمة سالماً مسلماً، وبعض أهل نواحي الشرق بالغوا في العداوة والغدر، ووثبوا على بعض إخوتنا ومن معه يريدون استيصالهم غدراً وعدواناً، ثم استمر الحرب بيننا وبينهم زماناً طويلاً تعبنا فيه، وغرمنا الغرامات العظيمة، فلما عضتهم الحرب، وعَظُمَ عليهم الأمر، نهضوا إلينا بغير رفيق ولا مجير، ولا ذمة ولا أمان، حتى وردوا إلينا إلى أقصى أوطاننا يطلبون العفو، ووردت كتب الأعوان قبل ورودهم يرجحون قتلهم أو حبسهم، فقلنا معاذ الله أن نفعل ذلك بمن قصدنا يريد منا المسامحة ويأمل فينا العفو، فالتقيناهم بالإكرام ووقع بيننا وبينهم خوض في الصلح، فلاح منهم العداوة والبغضاء وسوء النية في المستقبل وأنها خدعة، وامتنعوا عن إحكام القاعدة، وقررنا ذلك عليهم، ثم لم يصدر منا إليهم إلا المعروف والعطاء، وإعانتهم في أمر الطريق بالزاد والرفيق، ولعل الكاتب نظر إلى ما يدعيه بعض الجهال علينا في هذا الزمان من الإخلاف في شيء مما وضعناه، وأنا أبطلنا العقد ونقضناه بعد أن ذكرنا أن فيه ذمة الله، فإن لمح الكاتب إلى ذلك، فما كان يليق بمثله أن يصغي إلى حديث جاهل، عن الصواب مائل، عظيم العداوة وشديد الحقد، ونحن بُرآء عن ذلك المعتوب، كبراءة الذئب من دم ابن يعقوب، ولنا في ذلك رسائل مُحَبَّرة، ومسائل محررة، وليس عتب ذلك العاتب، ولا بهت ذلك الكاذب، يضر من هو -بحمد الله- في أعلى المراتب:
|
ما ضـر تغـلب وائـل أهجـوتـها |
أم بـلت
حيـث تناطح البحـران
لكن لا بد أن يعرض مثل ذلك ويعُن، {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ} [الأنعام:112]، فنعوذ بالله من جهل الجاهلين وضلال الضالين وإضلال المضلين: