الفصل الثاني: في شأن ما يبيعه الولاة؛ إنا لا نزال نُعرِّفهم بصفة ما يباع ومالا يباع، ونؤكد عليهم في ذلك، وأكثرهم لا ينفذ من بيعه إلا ما أجزناه أو تولينا الكتابة فيه، ولا نفعل ذلك إلا فيما صفته ما تقدم، ولم نسمع عنهم بما ذكره الكاتب، ولا بلغنا شيء من ذلك، ولو استقرى ما باعوه وتتبعت مبيعاتهم لم يوجد فيها شيء مما يظهر نفعه لو لم يبع ويستمر، ولو سألت الكاتب ليطلعك على وصية واحدة مما باعه الولاة صفتها ما ذكر في كلامه لم يتمكن من ذلك، ولو تأمل ما تصرفنا فيه أو أذنا ببيعه لم يوجد منه ما يعول عليه، ولا ماله غلة أو قيمة خطيرة، وما يعلم أنه بيع شيء من هذا الجنس بثمن يعول عليه إلا المال الذي بعناه في يسنم بقدر ثلاثمائة أوقية () أو يقرب منها، وهو مَالٌ وَضَع قبائلُ تلك الجهة أيديهم عليه، وغصبوه خلفاً عن سلف، وعصر بعد عصر، فلمنا قمنا لله في استخراجه وأعان الله على ذلك، وهو من الوقف الذي انقطع مصرفه، جمعنا الإخوان أولي الأديان، وشاورناهم في أمره، فتشعبت أنظارهم حتى أن منهم من أشار بأن نصرفه في خاصتنا ونستبقيه لما نحتاج في زمن الخريف، فقلنا معاذ الله أن نفعل ذلك، ثم صح لنا أنه إن بقي وكانت غلاته تصرف في المستحقين لم يكن بأسرع من تغلب القبائل عليه مرة أخرى لندمهم على التخلي عنه، فبعناه بأوفر قيمة بل بفوق ما يتبايع الناس بمثله، وصرفنا ثمنه في مصالح جليلة منها بعض عمارة المسجد الجامع بيسنم، ويالها من مصلحة.
الفصل الثالث: لو صح أن الولاة صدر منهم شيء مما ذكره الكاتب وقدر عدم المساغ فيه، فما اللائق بحق ذي الديانة والصلاح؟ هل أن يحسن الظن فينا، ويبني على عدم اطلاعنا على ذلك، وعدم الرضى؟ أو يتبادر إلى التشنيع علينا، والتجرم العظيم، والإستعاثة، والإتيان بالعبارات الهائلة، وإيهام أني من الأئمة الشاقين على الأمة الداخلين في الوعيد الوارد على ذلك؟ وتعدي الولاة غير مستنكر ولا مستبدع، فقد تعدى بعض أمراء المغاري في زمن سيد المرسلين ومدة مهبط الملك الأمين إلى قتل النفوس، وانتهاب الأموال ظلماً وعدواناً، وكثير من ولاة الأئمة وعمالهم، ونحن لا نزال نبرأ إلى الله من كل تصرف للولاة لا نرضاه.
الفصل الرابع: هذه مسألة اجتهادية للعلماء فيها أقوال، وكل يفعل بما أداه اجتهاده إليه، ودلته القرائن عليه، وليس ينبغي التشنيع في مسائل الاجتهاد التي مبناها على الظن، وقد حكي لنا أنه لما كثر تشنيع الشيعة على الإمام يحيى بن حمزة في هذا المعنى، وكان عليه السلام كثير الاسترسال فيه وعدهم للمراجعة في ذلك والمباحثة فيه، فلما اجتمعوا أشار إليهم أن يعينوا رجلاً منهم لمحاورته وتولي مراجعته، ثم قال لذلك الرجل:أخبرني عن هذه المسألة التي أنكرتم هل قطعية أو ظنية اجتهادية؟ فقال: بل اجتهادية، فقال عليه السلام : إذن لا معنى لما أنتم فيه وعليه، وكيف تنكرون علينا فيما أدانا اجتهادنا إليه -أو كما قال-.
ثم إن الكاتب أطنب في نقل كلام بعض العلماء في الوصايا وأنها خارجة مخرج الوقف، وانجْرَّ كلامه إلى ذكر الخلاف في الوقف وكلام من يجيز بيعه إلا إذا جمع قيوداً وشروطاً مذكورة معروفة، وذكر من أقوال الفقهاء ما فيه تشديد في ذلك، وأتى من أقوالهم بما فيه ترخيص وكل ذلك لا يخلو من فائدة، وإن كان معروفاً، ولا يحتاج إلى الإجابة عن ذلك، فنحن نعترف بأن المسألة مسألة خلاف، وذلك يقتضي العذر لنا لا الإكثار من اللوم علينا، مع أنه إذا تؤمل ما نحن نفعله من ذلك ونقدم عليه، ونأذن لِوُلاتنا به، لم يستبعد أن يكون مما اتفق على جوزاه في الأغلب، والله سبحانه وتعالى أعلم.
قال: وأما ما روي عن الإمام المؤيد بالله يحيى بن حمزة من جواز بيع الوصايا فالمراد بذلك على ما فصله هو أحد ثلاثة أشياء:
[الأول]: الأراضي التي لا يعرف لها مالك ولا مصرف، فهذه مصرفها بيت المال ويجوز للإمام يبيعها للجهاد.
الثاني: الأراضي الموصى بها عما على المؤمن من المظالم، فللإمام بيعها.
الثالث: الأراضي التي يعترف أهلها بحقوق الله في ذممهم، كالكفارات، والأخماس، والفطر، وبيوت الأموال، وغير ذلك من الحقوق اللازمة، ثم يقفها أهلها أو لا يقفونها، ويقولون تصرف غلاتها في كل سنة عما عليهم فيجوز للإمام بيعها وليس لصاحبها وقفها بعد الاعتراف بالحقوق، انتهى كلام الإمام يحيى، وهو أعلم المتأخرين من الأئمة، وأشدهم ورعاً.
أقول: إعجاب الكاتب بفعل الإمام يحيى في بيع الوصايا وتعظيمه في ذلك، مع عتبه علينا وتشنيعه المتعاظم المتدارك، كاستعظام فراغ الإمام يحيى للتصفية، مع ذكره أنه كان مشتغلاً بإصلاح أحوال الشرق، وكلامه يصدق مع أدنى اشتغال، وتصنيفه في تلك الحال يدل على عدم استغراق أوقاته بذلك، ونسي الكاتب اشتغالنا العظيم بأحوال تلك الجهة مرة بعد مرة وسنة بعد سنة، والله ما نفرغ في حال اشتغالنا بها لأكل الطعام في أوقاته، ولا للنوم في ساعاته إلا نادراً، وزعم أنا لسنا في شيء من التشاغل بذلك صرح به أو رمز إليه، فصار حاله كما قيل: