قال: وما ورد من المترددين من الثقات، من أحوال كثير من تلك الجهات، كالدير ونحوه، وما فيها من عظائم المنكرات، وظهورها ظهوراً ظهر معه عدم النظر منهم والالتفات، وغير ذلك مما يطول شرحه ويكثر سرحه.
أقول: هذا من ذلك القبيل، ودعوى ظهور عظائم المنكرات في الدير ونحوه من البهت، فقاتل الله ناقله إلى الكاتب، وما كان ينبغي أن يُصَّدق الكاذب، ومن المعلوم للمطلع على أحوالنا وأحوال الجهة أنا مبالغون غاية المبالغة في تطهير تلك الجهات، وملتفتون على ذلك غاية الالتفات، ومؤهلون لتعهدها من نعده من الثقات، ولا نزال نعاهده بالعهود والمؤكدات، ولقد ألزمنا السيد الفاضل العالم علي بن صلاح بن المختار، وهو أبلغ سادات تلك الجهات تعهد الدير، والتردد إليه في كل وعد لتعهد أحواله، والمشارفة على أعماله، وجعلنا أمرهم من تحت يده، ووجهنا إليه النظر في المظالم، وإقامة الشريعة، وفصل الخصومات، وإنكار المنكرات، وما زال على ذلك حتى اعتراه سقم () لما في تلك الجهة من الوخم ()، فترك ذلك وأحجم، وما نعلم أن أحداً يتظهر في تلك الجهة بمنكرة، ومن ظهر منه شيء أُدِّب، ولقد نسب إلى شيخ تلك القرية ووجه أهلها شيء من ارتكاب المنكرات على جهة التهمة، فكان لنا من الزجر له والتوعد والطرد ما علمه الناس، وادعي على بعض من يعز عندنا أنه فعل شيئاً من المنكرات على جهة التهمة، وأنه ارتشا فيه أو عاقب خفيةً أحداً من أهله، فصدر منا في جانبه ما شاع وذاع، وأمرنا من صاح فيه هل لأحدٍ عنده مظلمة؟ فهي مردودة، أو هل اطلع أحد منه على شيء؟ وغير هذا وغيره، ولكن نحن نعترف مع ذلك بأن الدير لا تطهر منازله ولا عشاشه عن الخنا الصادر على جهة الخفية، ويقطع أنه لا سبيل إلى ذلك لو وقع من التشديد ما وقع، لخساسة أهله وسوء عوائدهم، ولولا تشديدنا عليهم لكان ذلك ظاهراً، وقد بالغ حي الإمام المتوكل وأعوانه في تطهير الدير، وأقام الإمام فيه مرة بعد مرة، فما بلغوا فيما أرادوه إلا بعض ما بلغناه، مع أن أنفسنا غير طيبة، وكثيراً ما تحار الأذهان في هذا الشأن، وتجري الدموع على الأعيان، ويهتم بإخراب الدير وتحريقه، لولا وضوح مسلكه في نفع المسلمين وطريقه، ولكن ما يقال لمن جازف في المقال، وحل العقال، وادَّعا أن ما نسب إلينا مما اعتقد صحته وحقيقته، وهو من البهت والكذب البحث، مما يطول شرحه ويكثر سرحه.
قال: ومن أهم ما وقع من الغفلة الكلية عن نصرة الزيدية في بيت جميع، وأمركم وأمر أنصاركم جميع، حتى اغتالهم أعداء دين آل محمد الرحيم الشفيع... إلى آخر ما ذكره على طول فيه.
أقول: هذا من لوم البريء الذي هو ظلم، والجواب فيه واضح، وهو أن هؤلاء أهل بيت جميع ممن دعوناهم إلى الطاعة فما أطاعوا، وسألناهم حفظ حقنا فأضاعوا، وخيمنا بالقرب منهم فما سلموا، وطالبناهم بحقوق الله فما أسلموا، ولا شك أنهم من أعداد الأهماج الطغام، وممن لا فرق بينهم وبين الجهال من أعدائهم والعوام، أفترى أن لهم علينا مع إضاعتهم لحقنا وجهلهم لقدرنا، وعصيانهم لأمرنا، حق المناصرة والمظاهرة؟ ثم أقرب من هذا أنا والله ما علمنا بما كان من قيام أعدائهم عليهم وهدمهم لدورهم إلا بعد أن تقضى ذلك ومضى؟ أفترى أن من فرضنا علم الغيب؟ وأن عدم إهتمامنا بأمر ما علمناه يقتضي الشك في حقنا والريب؟ هذا من الإقتراح البارد، والمؤاخذة التي لا يجيب إليها المنصف ولا يساعد.
قال: ومن أهم ذلك أن ناحيةً وقطراً متصلاً بنواحي و(قش) قد أجمعوا واستمروا في هذا الزمان على ترك صيام رمضان.
أقول: وما وجه مناقشتنا في ذلك، فقد كان في زمن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ، بل في وطنه ومقره تعبد الأوثان، ولا تزال المنكرات ومتابعة الشيطان في سائر الأزمان، فإن عللت عدم العيب على غيرنا بعدم الإمكان فالحالان سيان، وأي قدرة لنا على من بناحية وقش ممن لا تنفذ أوامرنا عليه، ولا نتمكن من تجهيز جند إليه، يا عجباه من هذا الكلام، وما انطوى عليه من تكليف الملام، وعدم التأمل والإحكام.
قال: ثم من أهم ذلك وأهمه، وأعظمه وأطمه، ما وقع من ولاتكم من الاسترسال في بيع المطلق من الوصايا، وقد كان ظهر عنكم واشتهر النكير فيه وعده من الخطايا، وهو أمر ملم، وخطب مدلهم، يا لله وللمسلمين من بيع وصية مسجد أو غيره ينتفع بها المسلمون خلفاً عن سلف، يحتاج حربوا () منها ويفضي مصرفها إلى الضياع والتلف من غير مبالاة في ذلك، ولا وقوع أسف، مع الحاجة إليها على سبيل الاستمرار، وعلى مرور الأعوام والأعصار، وقد روت عائشة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ((اللهم من ولي من أمر أمتي شيئاً فرفق بهم فارفق به، ومن شق عليهم فاشقق عليه)) () رواه مسلم والنسائي، ومن الرفق بهم ترك بيع وصاياهم، ومن المشقة بهم اجتياحها بالبيع حتى مات عنها موتاهم.
أقول: في هذا الكلام من الجزاف، والاعتساف، وعدم الأنصاف، ما ليس بخاف، وما هو إلا تشنيع، شنيع وتفظيع فظيع وتقبيح قبيح، ومقال غير صحيح، ولقد أبان عن عكس ما زعمه الكاتب من أنه أخرج كلامه هذا مخرج النصيحة، فلو كان الأمر كذلك لأتى بسياق غير هذا السياق، ونظم بحثه في سلك الاتساق، فيقول مثلاً بلغنا عن ولاتكم أنهم يفعلون كذا وكذا، فهل صدر ذلك عن أمر منكم؟ فما الوجه فيه؟ وقد بلغ عنكم أولاً عدم استحسانه؟ أو لا عن أمر منكم؟ فتنبهوا على ذلك وازجروهم عنه، ونحو هذا من الكلام اللطيف الخالي عن التشدق وتكلف السجع، وجعل المعاني تابعة للألفاظ، حتى أفضى به ذلك إلى دعوى أنه وقع من بيع الوصايا ما مات عنه الأموات، وحتى أفضى إلى انضراب الكلام، ففي أوله جعل المناقشة في بيع الوصايا المطلقة، ثم في تفريعاته جعله بيع وصايا المساجد، ولقد كان عن هذا مندوحة وأي مندوحة.
وجوابنا أن هذا الذي ادعاه على الوصف الذي حكاه لا نعلمه ولا انتهى إلينا من جهة الولاة، وهو بيع وصية مسجد ونحوه ينتفع بها المسلمون، ويفضي بيعها إلى تلف مصرفها، ونحو ذلك من التشنيعات، مع أنا أعلم بأحوال الولاة من الكاتب، وأخص بما هم عليه من مناقب ومعائب، ونحن لا نزال نناقشهم على الكبيرة والصغيرة، ونناقدهم على الأمور الجليلة والحقيرة، ولنتكلم في فصول:
[الفصل] الأول: منها: الذي بنينا عليه في شأن الوصايا صدراً من دعوتنا، عدم التعرض لبيعها، والإعراض عن ذلك احتياطاً، وعدم اطلاع على حقائق الأحوال في ذلك، واستغناء عنها، لعدم توسع باب الجهاد وتجنيد الأجناد أول الأمر، ثم لما اتسعت المكالف، وتكاثرت المطالب، وتعددت أنواع المشاق والأثقال التي تفتقر إلى سعة بيت المال، ومصير الاحتياط مرجوحاً بضيق المجال وضرورة الحال، واطلعنا على عدم نفع أكثر الوصايا ومصيرها إلى مصرفها، صدر منا البيع لشيء منها، وهو ما جهل حاله ومصرفه، والتبس أمره، ولم ندر ما قصد به الموصي، وما كان من أموال العوام الملتبسة المختلطة المقطوع بكونها بيت مال، لكونها متظالمة () لا يجري فيها حكم الشريعة المطهرة، ولا تقسم على قانون الفرائض، ولا يجري في بيعها وشرائها على سنن، فإن ما كانت هذه صفته خَلَفاً عن سلف لا شك في خروجه عن ملك الآدميين، ومصيره من أموال الله، فلقد شاهدنا في عصرنا كثيراً ما يموت الميت من العوام، منكري الشريعة ومجانبي سلوك سبيل التوريث، وله ورثة، فيحكمون بالمال لمن لا شيء له من ميراثه بالشرع الشريف، من غير تردد منهم ولا تأثم، مثلاً أن يموت رجل وله زوجة وبنات وأخوات وابن أخ أو ابن عم، فيصير المال كله إلى ابن العم، ولا يصير إلى ورثته شيء، وما كان وصية مطلقة لا ينتفع بها قد صارت تحت يد من لا يخلصها ولا يصرف غلتها في مصرفها، ولا يمكن تغيير ذلك إما لتمرده وعدم القدرة عليه، أو لأن غيره لا يمكن أن يباشرها، أو لغير ذلك، وفي هذا النوع كثرة، فإن أكثر الوصايا في أكثر الجهات قد أجريت مُجرى الأملاك فصارت تنتقل من يد إلى يد بالبيع والشراء، ولا يمكن تخليصها عن ذلك، وما كان موصى به لمسجد قد هجر، أو انهدم، أو خلت بلده، أو أيس عن عوده، أو عود الإنتفاع به، وما كان موصى به لحمام مكة، أو للنمل، أو نحو ذلك، وما كان موصى به عن الكفارات أو الحقوق وموقوفاً عنها، وما كان قد انقطع مصرفه، ونحو ذلك، ولا أعلم أنَّا بعنا وصية في بقائها نفع مستدام، ولا وصية لها مصرف معين غير ما ذكرتم، ثم أنا لا نبيع إلا بالقيمة الكاملة غالباً، وقد نستقصي حتى يزداد الثمن على القيمة ولا ينقص عنها إلا لموجب راجح واضح، فإذا تأملت الأمر عرفت أن الذي كنا نستهجنه وننكره بيع الوصايا على خلاف هذه الكيفية، كبيع وصايا المساجد المعمورة المأنوسة، وبيع ماله مصرف معين، والبيع بالتافه، فهذا حكمنا في ما باشرناه من ذلك، والله ولي التوفيق.