فإنا أهبنا فيها بكل قريب وسحيق، واستصرخنا بكل قالٍ وصديق، وبينا فيها قطع المعاذير، وأودعناها من الحكم والنكت ما هو جم غفير، وذكرنا كثيراً من النواحي بأساميها، ومَجَّدنا من هو من الأتباع فيها، ولقد ظننا أن الناس بعد أن تبلغ إليهم وترد عليهم لا يتأخرون عن النهوض إلينا ساعة، ولا ينزعون يداً عن طاعة، فما علمت أن واحداً كانت له داعية، ولا وعتها أذن واعية، فأنشد لسان الحال قول من قال:

لـقـد أسـمـعـت لـو ناديت حياً

 

ولـكن لا حيـاة لـمن تنـادي

ولـو نـاراً نـفخـت بـها أضاءت

 

ولـكن ضـاع نفخك في رمادي

 ولم يكن من الناس إجابة للإهابة إلا في حال القصد إلى صعدة، وكان ذلك مبلغ سعيهم وحده.

قال: وإن في آخر التصفية () للإمام يحيى بن حمزة بخطه ما لفظه: فرغ ذلك حال اشتغال باصلاح الشرق وإقامة أحوال الدين فيه، أو كما قال.

أقول: سبحان الله ما أقل الإنصاف!! استعظم الكاتب ما ذكره الإمام يحيى من اشتغاله بإصلاح الشرق، ومن المعلوم أنه عليه السلام  لم يقع لاشتغاله ذلك كل التأثير، ولا ظهر من آثاره قليل ولا كثير، ولا أطال فيه المدة، ولا ملك فيه عهدة، بل وقف عليه السلام  في بعض قرى الشرق متجوراً، ولم يقع له طاعة، ولا نفوذ أوامر، وكان يلعن في قنوته بعض قبائل الشرق لما قابلوه بالرد، والإبعاد عما أراد والصد، وعَرَّض الكاتب بذلك إلينا أنه لا اشتغال لنا، بهذا المعنى، فيا لها من غلظة، ومن المعلوم المتواتر أن لنا من الاشتغال بإصلاح الشرق، وإقامة قواعد الدين فيه، وإصلاح طرقاته، وكف أهله عن المناكير، وإغاثة المظلومين، ونحو ذلك من المصالح في الدين، وحفظ عهده، والصبر على مشاقه، ما لم يكن لحي ذلك الإمام الجليل الذي يعترف بفضله وسبقه عشر العشير منه، حتى أن أوامرنا في الشرق نافذة، وأيدينا على أكثر أهله منبسطة ولنا فيه من الأقوال والأفعال، والإقامة به والتردد إليه، وتجهيز الجنود والعساكر إلى نواحيه، ودمغ العاصين من أهله، مالا يخفى على أحد، ولكن هذه المناقشة من أولها إلى آخرها، صدرت لا عن تأمل فالله المستعان!!

198 / 331
ع
En
A+
A-