أرى كثيراً ولكن لا أرى أحدا

فإن نقدت أن بسبب كثرة أقطار الإجابة تكثر بيوت الأموال، ولم يتسع لكثرتها المجال، فنحن نقول: أكثر الجهات الإمامية لا يبلغ إلينا منها شيء، ولولا خشية الإطالة لعددناها، وبقيتها ينال منها اليسير الحقير من واجباتها، والله ما أعلم في جهات ولايتنا بلدة واحدة، ولا محل صغير يجبي إلينا جميع واجباته، ولعل ما ينمي أهله بتسلم الحقوق إلينا من الجهات لا ينتهي إلينا العشر من واجباتها لو أحصيت وحصرت وحققت، ومع ذلك فالسائلون أكثر من الباذلين، والمستعطون أوسع من المعطين، ومن عرف أحوالنا علم ذلك عن يقين، وإن استنكرت أَنـَّا مع كثرة الأتباع، وأهل الإجابة، واتساع جهاتهم ونواحيهم، لم يظهر لذلك أثر في الأتعاب بهم واستنفارهم للجهاد، والصولة بهم على أهل الفساد في البلاد، فإنما يعتب علينا لو بذلوا ذلك لنا فأعرضنا، أو غفلنا عنهم فيه فما سألنا، وأما إذا كنا هتفنا بهم فما احتركوا، وطالبناهم فما أسعفوا، ودعوناهم إليه فما أجابوا، فوجه اللوم إليهم، وأحل بذلك الذنب عليهم لكنك كما قيل:

وحـملتني ذنـب امـرءٍ وتـركته ()

 

كـذي العـر يكـوى غيره وهو راتـع

وانظر في نفسك فإنا سألناك الزيارة مرة بعد مرة، فما أجبت، وطلبناك بذلك فامتنعت وما أسعدت، مع أنك تعلم أن سفرك في ذلك سفر سلامة وكرامة، فما ظنك بغيرك وأكثر الناس لا معرفة له بحق الإمام، ولا تجنب منه لسلوك الملام، أتراهم يسعفون بالنهوض لبذل النفوس، ومقابلة كل يوم عبوس، ولقد تكررت منا في ذلك الرسائل، إلى الأشياع والقبائل، ونظمنا فيه الأشعار التي تغلغلت في جميع الأقطار، فما حرك شيء من ذلك ساكناً، ولا أثار من الحمية في الدين كامناً، وكفى بقصيدتنا التي لم ينسج على منوالها ولا سمحت قريحة في الحث على الجهاد بمثالها، وهي التي أولها:

هـمـم وهمٌّ في الفـؤاد تـرددا

 

ذهـب الـرقـاد لأجـله وتبـددا

197 / 331
ع
En
A+
A-