|
وركبـت
الصعب فاستـهونته |
وتـرشحت
لأمْـرٍ ما انتظم
ثم قام بعده فيها وبعد الإمام الشهيد أحمد بن الحسين الإمام المنصور بالله الحسن بن بدر الدين، وعاضده أخوه الأمير العلامة الحسين بن محمد صاحب الشفاء والتقرير، فما كان لهم فيها من الحكمة شيء، وورد عليهم من الاعتراض جنس ما ورد علينا، وقيل: أي فائدة في قيام ذلك الإمام مع عدم ظهور مصلحة ولا نفوذ أحكام، فأجاب الأمير العلامة الحسين بذكر فوائد يسيرة بالنظر إلى ما يحصل على أيدينا، وحكم عليها بأنها جليلة خطيرة يليق قيام الإمام لتحصيل مثلها.
ثم قام ولد أخيه الإمام العظيم المهدي إبراهيم بن تاج الدين ()، فلم يكن له في تلك الجهة دولة ولا صولة، لكن نهض إلى اليمن، فاشتغل بجهاد السلطان حتى أسره بأُفق.
وقام غير هؤلاء من الدعاة والمقتصدين، منهم المتوكل أحمد بن علي بن أبي الفتح ()، وقبره برغافة ()، وآخر من قبلنا من الأئمة والدنا الهادي علي بن المؤيد عليه السلام عاش في تلك الجهة، وبين أظهرهم داعياً نيفاً وأربعين سنة، فما أقام بها حداً، ولا نفذ حكم شريعة قهراً، ونحن لم يمض من دعوتنا إلا بعض سنة، وقد أقمنا بها الحدود وأزلنا كثيراً من بدعها وتعدي الحدود، ونظمنا فيها من القواعد الدينية ما يزري بنظم القلائد العسجدية، ولقد كانت جهة يسنم ونواحيها أعظم الجهات تعدياً وبعداً عن قواعد دين الله، وأكثرها فساداً ومجاهرة بالمعاصي، وقبائلها أعظم القبائل تكبراً وتجبراً وبعداً عن الانقياد، فكان منا فيها ما علمه العام والخاص، والداني والقاص، من إماتة البدع، وإحياء السنن، وتقعيد قواعد الشريعة، وإقامة حدود الله، وإثبات الجمع، واستخراج الحقوق، وانتصاف المظلوم من الظالم، وإصلاح المساجد، وعمرنا فيها جامعاً من أجَّل الجوامع وأوسعها وأنفعها، وقررنا فيه عدة من الفضلاء وأهل الذكر، وفيه تقام جمعة ما يعلم في جهة الزيدية أبرك منها ولا أفضل، حتى أنه لا يعلم في قطر اليمن من مكة إلى عدن، جهة تساويها في هذه المعاني، ولم نؤسس فيها مجابي وقوانين، ولا أشياء مما يعتاد في المدن، وهذا وادي المدثاة ()، وناحية رغافة كان ثَمَّ من البدع العظيمة والفواحش الظاهرة مالم يعلم بمثله، حتى أنه كان في تلك الجهة أماكن في الصحراء متعددة كل واحد منها لنوع من المعاصي يذهب إليه أهله ظاهراً، فكان منا من العناية في صلاحها ما كان، مدة من الزمان، حتى أعان الله وصارت هجرة من الهجر، وأسكنا بها بعض الأخوة الفضلاء، ونصبنا فيها حاكماً من حكام الإسلام، وعمرنا فيها مسجداً من أحسن المساجد تقام فيها الجماعات والجُمُعات، ويذكر الله فيه في جميع الأوقات، وصارت يضرب بها المثل، وهذه جهة السودة وغيرها مما في أيدينا يسأل عن حالها، هل يظهر فيها منكر أو تتفق مظلمة، أو يجاهر فيها ببدعة، مع أنه لم يتهيأ لنا فيها كما يتهيأ في غيرها، لعوارض ترجع إلى أهلها، وكذا الجهات الشرفية يسأل عن أحوالها معنا وقبلنا، وما لنا من العناية في تطهيرها من الفساد، وإحياء دين الله فيها زائداً على ما يعتاد، ولو ثني لنا الوساد، وسلمنا من أهل المعارضة والعناد، لكان ذلك إلى تكاثر وازدياد، ولبلغنا في إحياء دين الله وإقامة ما شرع الله المراد.
قال: فلم تُؤمن طريق قد أخيفت.
أقول: في هذا الكلام مجازفة عظيمة، ومن أين للسائل أنَّا لم نتسبب لأمن شيء من الطرقات، هل علم ذلك من غير واسطة؟ فهو جليس بيته لا يتعلق بالأسفار، ولا نعلم أنه منذ دعونا قد سلك طريقاً من طرق النواحي والأقطار، أو بواسطة؟ فشهادة النفي وروايته غير مقبولة، ولعله لما اطلع على عدم أمن الطرقات للجهات التي هو بها وما يحاذيها ظن أن ما عداها بصفتها، أو يبني على أنه لا طريق غيرها، أو نزل أمن سواها كعدمه بناء على أنها هي المعول عليه، وليس ينبغي أن يحمل العتب في عدم أمن طرقات أهل الأمصار المتغلبين عليها علينا، بل هو عليهم وإليهم، وأما الطرقات اللاتي في جهتنا وأسواق بلادنا، فنحن في جهد عظيم في إصلاحها ونكاية من تعرض للمارة فيها بسوء، ولنا في ذلك وقعات مأثورات، وفعلات مشهورات، كغزوة المدحاية التي كان فيها إجلاء أهلها المحاربين لله الذين يسفكون الدماء وينتهكون الأموال، راجعناهم في ترك ذلك فأبوا، فغزوناهم من فلله على بعد المسافة حتى أجليناهم منها، وقتلنا بعض أبطالهم وغنَّمنا المسلمين جميع أموالهم، وكغزوة مسروح لما تعدوا في طريق الدير وأفسدوا فيها طلعنا عليهم أعلى جبلهم، وأخليناهم عنه حتى تحكمنا عليهم في أمر الطرقات، وكغزوة عبس () وغير ذلك، وغيره، وليس علينا إلا جهدنا والنظر فيما نلي أمره.
قال: ولم نحي مدرسة قد أميتت.
أقول: هذا من قبيل الجزاف، فقد عمرنا في نواحينا المساجد والجوامع، وتأهلنا لالتقاط طلبة العلم والقرآن، حتى أنه قد يجتمع منهم العدد الكثير والجم، ينفقون ويكسون ويتعهدون بسائر مطالبهم، ولنا في هذا نُهمة شديدة، إلا أن طلبة العلم المستفيدين قد طارت بهم العنقاء، وكيف لنا بمن يفيد ويستفيد، ونقوم بما يطلب كل منهم ويريد، وننفق عليهم ما احتاجوا إليه ونزيد، لكن إذا كانوا في جهاتنا لا أن علينا أن نقوم بهم في الجهات الأخر.