أقول: سبحان الله!! ما تضمن هذا الكلام من الجزاف، وعدم الإنصاف، وكثرة الاعتساف، وما كان ينبغي أن يصدر مثله عن الأجلاف، ولاعن أهل الميل والانحراف، فكيف يصدر مثله عن ذي علم وأرب، وحلم وأدب، ووداد غير مؤتشب، ولكن ما عشت أراك الدهر العجب، وما أدري ما أقول في جواب هذا الكلام، دعوى أنا لم نحي سنة، ولا أمتنا بدعة، ولا أعدنا لوجه الحق رونقاً فيما مضى من الأيام والأعوام، يا لله لأئمة الحق الدعاة!! إلى الله من هذه البلية، والمعاملة السيئة غير المرضية!! وحالنا بحمد الله معروف، وأمرنا ظاهر مكشوف، ولو ذهبنا نعدد ما حي على أيدينا من السنن، ومات من البدع، وإقامة ما فرض الله سبحانه وشرع، لما أتينا له على حصر، والله سبحانه عالم السر والجهر، وكأن صاحب الكتاب حكم على كل ما لم يشاهده بعينه بأنه مفقود، ولا يدخل في حيز الوجود، أو حكم بأنَّا إذا لم نحي كل سنة ونميت كل بدعة، فكأنا لم نحي سنة واحدة، ولا أمتنا بدعة واحدة، أو أنا إذا لم نفعل ذلك في الجهات التي لا تنفذ أوامرنا فيها، فكأنا لم نفعله في شيء من الجهات، أو أنه إذا لم يتفق ذلك منا في الجهة التي هو فيها، لم يتفق في غيرها، وللعامة في هذا المعنى مَثَلٌ، معناه: إن كل من أخصبت أرضه، وأمطرت جهته، ظن أن كل جهة بصفتها، ومن كانت أرضه جديبة غير خصيبة ظن ذلك فيما غاب عنه، وما يشك أن الكاتب ما تأمل معاني كلامه هذا ولا مقتضاه، ولم يدبر ما انطوى عليه واحتواه، وأنه يعلم بالضرورة [لو] أن الأمر بخلاف ذلك، إذاً لتواتر الطرق إليها والمسالك.

ونحن نقول: لا شك -عند من نظر بعين الإنصاف، ولم يكن التجاهل والتحامل وعمى البصيرة له من الأوصاف- أن دعوتنا هذه المباركة مما كان سبباً في حياة الدين، وإرغام أنوف المعتدين، وإحياء كثير من سنن سيد المرسلين، وإماتة كثير من بدع المبتدعين، وأمن كثير من طرق المسلمين، وغير ذلك من المصالح العظيمة في الدين، وكل من عرفنا ورآنا، وأقام معنا وسافر مرافقاً لنا، تيقن أنه لا يمضي وقت من الأوقات ولا ساعة من الساعات إلا ولنا فيه عمل مبرور، وسعي مشكور، من إطعام مستطعم، وإعطاء مستعط، وإغاثة ملهوف، وستر عوار مكشوف، وإزالة منكر وإقامة معروف، وإحياء شريعة قد أميتت، وإماتة بدعة قد أسست وأقيمت، واستيفاء حدود، وتجهيز جنود، ونشر علوم، وطاعة للحي القيوم، وأنا لا نرد سائلاً، ولا نمنع نائلاً، وغير ذلك من المصالح الدينية، والمساعي الحميدة المرضية، نقطع في ذلك أوقات النهار، وكثيراً من ساعات الليل، حتى أنَّا والله نترك ما تدعو إليه من الجِبِلّة من الطعام والمنام، وغير ذلك من ضرورات الأنام، ونفارق لما ذكرناه المساكن والأوطان، والأهلين والولدان، وأدمعهم على الخدود كالأمزان، ولا نصل جهة ونقيم بمكان إلا ونحن كالغيث الذي يحي الأرض الميتة، ويصيرها بعد الجدب والإغبرار منبتة.

وما كنا نظن أن يواجهنا بمثل ذلك الكلام عدو قالٍ، ولا وقح من الرجال، فكيف يواجهنا به أهل المقه، ومن هو عدل ثقة؟! إنا لله وإنا إليه راجعون، قوله بالمفهوم: فلم تحي سنة، وتميت بدعة. يقال: ما أردت؟ هل في الجهات التي لا تنفذ فيها الأوامر، ولا يعتزى أهلها إلينا، ولا يعولون في أمورهم علينا؟ فصدقت في ذلك، لكن أي ذنب لنا في هذا؟ وأي نقادة علينا فيه؟ وما خصنا بذلك دون من سبق من الأئمة؟ فهذا حكمهم، ومن الذي نفذت أوامره من الأئمة الأطهار، في جميع النواحي والأقطار؟ أليس من سابقي الأئمة وأفضلهم وأعظمهم عند الله عزَّ شأنه ولدا رسول الله وريحانتاه، والمقطوع بعصمتهما ونجاتهما، وسيدا شباب أهل الجنة؟ فأخبرنا ما الذي حصل بإمامتهما ودعوتهما؟ أليس الحسن عليه السلام  صالح معاوية وأغضى على بدعه، التي توقعه في الهاوية حتى مات؟ ثم أغضى على ذلك الحسين حتى كانت خلافة يزيد الخمور؟ وكان منه ما كان من محاولة الجهاد، فما أفاد؟ ثم من بعدهما من الأئمة، ما الذي حصل بدعوة زيد ظاهراً؟ ومن كزيد؟ وهو الذي تنتمي إليه الفرقة الناجية، والعصابة الهادية، ولم نسمع عن أحد من أهل التمييز أنه عابهم بذلك، ولا قال ما الذي حصل من إحياء سنة وإماتة بدعة، فإن من أغراض الأئمة المهمة إنكار ما الظلمة عليه، وإقامة فريضة الجهاد، وتكدير عيشة المتغلبين من أهل الظلم، لهذا وجعلوا ما فعله الحسين عليه السلام  إعزازاً للدين بهذا الاعتبار، وإن لم يحصل في الظاهر إلا قتله، والمثلة به، وقتل كثير من أهل بيته رجالهم وأطفالهم، وإستياق بنات رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم  كالسبايا، وقد حصل بقيامنا من هذا المعنى ما هو أظهر من الشمس، فغير خاف على من له طرف من الإنصاف ما وقع مع أُمرآء الجور وسلاطين الظلم من الرعب والروعة بقيامنا هذا المبارك، حتى أن منهم من لم يتهنى الطعام والشراب والمنام منذ ورقع القيام، وكان منا ما عرفه الخاص والعام، من قصد الظلمة إلى عقر دارهم، حتى غصوا بريقهم، وعموا عن مسلكهم وطريقهم، لولا ما كان من خذلان الجنود والأعوان، وانهزامهم عَنَّا ذلك الأوان، ثم لم نزل نشن الغارات عليهم، ونعمل الحيل في توجيه النكاية إليهم، حتى صاروا لا يَقِر بهم قرار، ولا تقر أعينهم في ليل ولا نهار، وكثيراً ما يستمر لبسهم لآلة الحرب حتى يؤثر ذلك في أبدانهم وجلود خيلهم.

ثم نقول: هل تعتقد أن التقصير في ما لم نتمكن منه من إحياء السنن وإماتة البدع في كثير من النواحي والأقطار من جهتنا؟ وأنَّا نتمكن من ذلك لكن لم نفعله، إما لجبن أو بخل أو إيثار دعة؟ فنحن لا شك أعلم بأنفسنا من الغير، ولا والله ما ذلك بصحيح، وإن لنا همة أجلُّ من الدهر، ورغبة صادقة في إحياء الدين يعلمها عالم السر والجهر، وإنا نسمح بالنفس العزيزة في هذا المرام، ولا نحجم إلا حيث لا يمكن الإقدام، وإنما التقصير في ذلك من جانب الأمة، وما صاروا عليه من التهاون بأمر الأئمة، بايعونا على الطاعة والجهاد فنكثوا، وأظهروا الطاعة لنا والمشايعة فما أقاموا على ذلك ولا لبثوا، ووعدونا بالمناصرة واختلفوا، وطلبنا منهم الإنصاف فما أنصفوا، ولقد قمنا هذا المقام الذي تدحض فيه الأقدام، بعد أن وعدنا الناس مواعيد عرقوب، وظننا فيهم حُسناً بنجح المأمول فيهم والمطلوب، فما زلنا نرى منهم الإخلاف، وعدم الإنصاف حتى صار غاية ما نأمله فيهم، ونرضى به منهم، أن يكفوا عنا شرهم، وأن يكفوا مكرهم وضرهم، وهيهات لم نجد إلى ذلك سبيلاً، ولا رأينا للسلوك في مناهج السلامة منهم دليلاً، ولو أنهم قدروا هذه الدعوة حق قدرها، وعظَّموا ما عظم الله من أمرها، وقاموا بحقها أو بعض حقها، لوجدوا منا ما أرادوه، ونالوا ما أملوه، ووقع من الصلاح في البلاد وتَطَّهُرها من الفساد ما يراد، وزيادة على ما يراد، لكن ما حُكْم الإمام مع كون الناس في حقه بين عدو كثير العدوان، وغافل عنه عادل إلى الخذلان، لا يجد من يريد من الأعوان، ولا يقف على مساعد من الأخوان؟ فالله المستعان!! لينظر الكاتب إلى نفسه، فإنه لا شك من أخص الأخوان، وأعز الخلان، وبيننا وبينه قبل قيامنا صحبة مرتضاة، وأُخُوَّةً في الله تعالى، ثم أنه من بعد قيامنا من أهل العقيدة الصحيحة والمودة الصريحة، ثم أنه قط ما ظهر منه شيء من الاهتمام بأمرنا، ولا نظر في الإعانة لنا، ولا حصل على يده شيء من النفع ولا الدفع، بل أعجب من هذا أنه لم يسمح لنا بزورة، ولا رأيناه مرة، فما حكم غيره من الناس؟ ليقيس على هذا القياس، وأما أهل العداوة والعدوان، فأمرهم جلي لا يفتقر إلى بيان، فإنا منينا من هذا القبيل بما هو كثير غير قليل، عارضنا دعاة وأتباع لهم لا ميزة لهم ولا ورع، ولا صيانة عن كل أمر فظيع مستبدع، يطلقون فينا الألسنة بما لا يليق بقدرنا، ويحاولون وضع ما رفع الله من أمرنا، ويسعون في تهوين الجانب، ويدبون في طلب المضرة دبيب العقارب، وعادانا ملوك الأمصار، وأعملوا الحيل في النكاية والمضار، ما نعلم أنه أجمل إلينا، وحسب معاملته لدينا في قطر اليمن، من مكة إلى عدن، إلا صاحب مكة، لما صار عليه من عدم الإضرار، والاعتراف بعلو المقدار، وعادانا غيرهم من القبائل والزعانف، الذين ليس أحد منهم لله ولا لليوم الآخر بخائف، فمن هذه الحيثية قل انبساط اليد الإمامية، وخلت أكثر الجهات عن السيرة المرضية، وأميتت السنن في أكثر النواحي الإسلامية، وظهرت فيها البدع وصارت قوية، لا لتقصير منا ولا لسبب صادر عنا فما بال الكاتب وجه اللَّوم إلينا وأحال بالذنب علينا؟!

لِـمِ اللـيالـي الـتي أجنـت على جِـدَتِـي

 

 

بـرقـة الحـال واعـذرنـي ولا َتلُمِ

 

 وإن قصد الكاتب أنها لم تحي سنة، ولا أميتت بدعة، في الجهات التي نليها، ولا أقيمت شريعة الله فيها، فخلاف هذا بالضرورة معلوم، وليس له على ذلك برهان يقوم، وما كنا نظن أن أنباءنا عليه خافية، ولا أن أحوالنا وأحوال جهاتنا عليه غير بادية، مع قرب المزار، وتواصل الديار، ونقل الثقات للأخبار، واشتهار حالنا غاية الاشتهار، ومن المعروف عند من له اطلاع أنه لم يتمكن أحد من الأئمة المتأخرين -من دولة الإمام المنصور بالله عليه السلام  إلى وقتنا- في الجهات الخولانية، والنواحي الشامية، من إقامة حد أو استخراج حق كرهاً، أو تنفيذ حكم من أحكام الله قسراً، ولا أقيمت فيها شريعة، ولا أميتت بدعة شنيعة، وقد كان في زمان المنصور عليه السلام  شيخا آل الرسول وغيرهما من القائمين بدعوته الفحول، فما أثر ذلك في زمنهم أبداً، ثم قام بعده الداعي المعتضد بالله يحيى بن المحسن، ودعا بهجرة قطابر ()، وما زال يتردد بها حتى مات بساقين ()، فكان أمره كما قال:

194 / 331
ع
En
A+
A-