أما الجواب الجملي فنقول والله الموفق: أما الذي نعتقده فإنه لم يصدر منا سبب يعتل به علينا ويجعل ذريعة لتوجيه الملام علينا، فقد عاملنا الناس بعد قيامنا هذا بأحسن المعاملة، وجاملناهم أبلغ المجاملة، وأحسنا إلى المحسنين، وتجاوزنا عن المسيئين، وبالغنا في الألطاف، واستعطفنا غاية الاستعطاف، واقتعدنا غارب الأسفار، واقتحمنا غمار الأخطار، في البلوغ إلى ديارهم، ووصولهم إلى قرارهم، والاستقصاء على مبايعتهم، وقبض عهودهم، والتأكيد عليهم، خشية نقض عقودهم، واستمرار مكاتبتهم ومراسلتهم، وصلتهم ومواصلتهم، والتنقل من يمن إلى شام، ومن شام إلى يمن، وعدم الاستقرار في بلد والإستمرار في وطن، وهذا هو الداخل في حيز الإمكان، وأكثر ما يجب الإحتراك على من تصدى لهذا الشأن، وكلما تركناه واجتنبناه من أنواع السعي في ذلك، وسلوك بعض المسالك، فإما لموانع مانعة واضحة، أو لصوارف على الدواعي راجحة، مع نية بحمد الله حسنة صالحة، وتأملات لزناد الإصابة قادحة، وإما أن الإمام ينقسم في الأقطار، ويصير في الليل في قطر وآخر بالنهار، فخارج عن مقدور البشر، وشأن لا يطاق عليه ولا يقتدر، ومن تأمل أحوال كثير من الأئمة الساعين في صلاح الأمة وجد لنا من الاحتراك والاستدراك ما ليس لهم، وبنا من الولع لذلك ما ليس بهم، هذا الإمام المتوكل أقرب الأئمة بنا عهداً، وهو من أوْرَاهم في السعي والجد في تقوية أمره زنداً، قام في جهة اليمن ودعا، وتردد فيه وسعى، وقل احتفاله وسعيه في جهة الشام، من حد بلاد الأهنوم إلى بيشة، مع كونها من الجهات الإمامية، التي لم تزل أيدي الأئمة عليها منبسطة، وأمراس أمرهم بها مرتبطة، حتى أن رسله، وكتبه، لم تنته إليها، إلا بعد مضي سنين كثيرة من قيامه، ثم لم يباشرها بنفسه إلا في خلال وصول له إلى صعدة، مر جانباً منها يسيراً استطرقه فقط في أيام قليلة، وكانوا لذلك عنه غافلين، وعليه غير معولين، إلا قليلاً منهم بسبب عناية السيد الصالح جمال الدين علي بن صالح، وطائفة دعاهم إلى ذلك، وهذا جدنا الإمام الهادي علي بن المؤيد، وكان له أتباع بالديار اليمنية وأشياع طرائقهم مرضية، وكفى بالفقيه الأفضل، العلامة يوسف بن عثمان الذي كان جبلاً من جبال العلم والإيمان، فكان تردده إلى الجهات اليمنية قليلاً في أسفار قليلة، ومنتهى ما بلغه كحلان تاج الدين، وقد عاش كل من الإمامين المذكورين بعد دعوته أربعين سنة يزيد أحدهما على هذا القدر قليلاً، وينقص الآخر منه قليلاً، وها نحن في مدة ست سنين قد بلغنا من أقصى شامنا، إلى أقصى يمننا، وترددنا بين الجهتين مرة بعد مرة، وكرة بعد كرة، وإنما السبب الحقيقي والموجب المقتضي ما منينا به من قلة تناصح الإخوان، وكثرة تخاذل الأعوان، وإن الناس مع ظهورالإجابة، وكثرة المحبة، وانتشار هذه الدعوة، لم نحظ منهم بأخوان ناصحين، وأعوان صالحين، يطوفون الآفاق، ويحثون على طاعة الخلاق، ويجلبون الأرزاق، التي لا قوام لهذا الأمر إلا بها، ولا ينتظم شأنه إلا بتحصيلها، بل صار أتباعنا وأعواننا، على كثرة عددهم، واتساع مددهم، وظهور ودادهم وحسن اعتقادهم، بين صالح نافع، ذي جاه عريض واسع، ولشرائط الإعانة لو سمح بها جامع، وبين رجل إما صالح لا نفع له ولا إحسان، وإما نافع لكنه خوان، فالأولون لزموا ديارهم، وكانوا حلس أوطانهم، وأغفلوا أمر الإمام، وما يتوجه له عن أذهانهم، وقال لسان حالهم، وإن لم يكن ذلك من مقالهم {اذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلاَ إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ}[المائدة:24]، وليت أنهم مع ذلك راضون عنا، أو عاذرون لنا، بل كلما تغير من أمر الإمام، وانتثر من النظام، ظنوه لتفريطه، وأنه أتى في ذلك من تخبيطه، وما شعروا أن ذلك بسبب خذلانهم، ومعاقرتهم لأوطانهم، وانفراده عن الأعوان، وخروج إدراكه وحده لإصلاح الأمة عن حيز الإمكان، وتفرق الظبا على خداش ()، وتعسر الانتهاض في بعض الأوقات والانتعاش، والآخرون يقتربون منا ولا يبعدون، ويجيبون إلى تولي أمورنا ويسعدون، ويطوفون البلاد، ويلبون الإمام إلى ما طلب من الأعمال وأراد، ولكن ضرهم أكثر من نفعهم، وتفريقهم أبلغ من جمعهم، لأنهم كما ذكرنا بين رجل ذي دين لا إحكام له ولا إحسان، فيكون سبب تغييره عدم تدبير، ورجل له في النفع تأثير، وليس دينه وتحريه بالكثير، فيضر بعدم تحريه، ويوقع كل تصرف على خلاف ما نحبه فيه، وكثير من هذا القبيل، من يرد العتب إلينا فيما أفسده ويحيل، ولا أستثني ممن ذكرته من الإخوان والأعوان إلا القليل، فصرت لذلك أحير من ضب ()، وأذهل من صب ()، أقدم رجلاً وأُخر أخرى، وأتفكر ما هو الأولى والأحرى، فإن وقع إهمال للجهات من السُّعات والطائفين والعمال، وقلنا: من أحب التمسك بعروة الإمام، والأداء لما فرض عليه في شأنه والقيام، فهو يعرف المحجة ويسلكها، ويجد الوصلة إلى ذلك ويدركها، اندرس رسم الإمامة،  وانطمس نهجها مع العامة، ووجدوا العذر علينا، وردوا الملامة إلينا، وإن أمرنا الأمراء وبثثنا السعات والأمناء، ووجهنا الطائفين في كل وقت وحين، لم تخل أمورهم عن عدم الإحكام والجري على غير نظام، وكان ما حدث منهم بسبب منا، وكأنه في الحكم صادر عنا، وكلما رجونا في عامل أوساع أنه صالح، ومتجره في ذلك رابح، خاب الأمل، وما صلح العمل، ومن أعجب الأشياء أنها متى حدثت حادثة في قطر شاسع عنا، كانت غاية عمل أعيان أهله ومن نقطع منهم بعلمه وفضله أن يكتب إلينا، ويحيل النظر في ذلك مع تعذره منها علينا، وهو يعلم أنه لو تصدى لدفع ذلك الحادث وإزالة ذلك الكارث، لأمكنه بسهولة، مع خفة المؤنة، فلو أن الإخوان -وفقهم الله- اهتموا بشد الأزر، وصلاح هذا الأمر، كما فعل من سلف من الكبراء الأعلام، مع الأئمة الكرام، ليكونن هذا الأمر في غاية الانتظام، وليصلحن حال الخاص فيه والعام، هذه سيرة الأئمة مقروءة، وآيات فضلهم متلوة، فلينظر الناظر هل استقل أحد منهم بنفسه، وانفرد بإحكام الأمر وحده، لا والله ولكن حظوا بما لم نَحْظَ به، وعوملوا بما لم نعامل به، هذا الإمام المنصور بالله عبد الله بن حمزة قام بدعوته كبراء السادة وفضلاء الشيعة، وكفى من ذلك بأن شيخ آل الرسول شمس الدين يحيى بن أحمد كان يطوف الآفاق مع كبر سنه، وضعف بدنه، حتى ورمت قدماه، وهو الذي كان أراد منه المنصور القيام، وله في ذلك أشعار بليغة وسام، وكل إمام هذه حاله، وهكذا رجاله، هذا آخر الأئمة عهداً قام بأمره، ونشر دعوته، وتحصيل المصالح الجهادية، له طائفة انبروا في ذلك، وسلكوا فيه أصعب المسالك، وهجروا فيه المنام، ومنعوا فيه أنفسهم لذة الطعام، ولقد أقام حي السيد علي بن صالح () في راحة بني شريف () سنةً بمكان واحد، يعالج أهلها في طاعته، وإجابة دعوته، وهم يردون عليه أقبح الرد ويصدون عن ذلك أعظم الصد، حتى وقع له الفرج، ومن لج ولج، فعادوا بعد العصيان مطيعين، وإلى الإجابة بعد الامتناع منقادين، وحصَّل منهم الخيل الجياد، والسيوف الحداد، والدروع الجليلة، والرماح الطويلة، من غير أن يصل الإمام لهم داراً، ولا يسير في طلب ذلك منهم نهاراً، وغير هذا وغيره مما هو معروف، وظاهر مكشوف، ولعل من هو جاهل أو متجاهل، أو ذي حقد متحامل، يقول قد حضيت من الإخوان، بكثير من الأعوان، ولكن كان الخلل من لديك، واللوم فيه عائد إليك، ونحن نقول له: تالله ما صدقت فيما ذكرت، ولقد علمنا يقيناً بالوجدان من حال أنفسنا والتواتر عن غيرنا، أنا أكثر إنصافاً للإخوان وإسعافاً للأعوان، وإلانَةً للأقوال، وتعظيماً في الأفعال، ولو أنه وقع الفحص والتنقير، والتأمل للمعاملة مع الإمام الأول والأخير، لوجد بين المعاملتين من الفروق الكبار، كما بين الليل والنهار، والنقاد بصير، وإليه المصير، ولهذا الإجمال تفصيل، يفتقر إلى تعيين وتبيين وتطويل، وليس هذا الكتاب موضع ذكره، ولا مكان صدره ونشره.

ثم نعود إلى مراجعة الإخوان على سبيل التفصيل، أما ما ذكروه من كون الغفلة منا عن تلك الجهات، من أسباب انضراب أهليها، وما حدث من التغيير فيها، فقد تقدم ما أشرنا إليه، من أنه لا غفلة في الحقيقة عن هذا الشأن، وإن الذي يُغْفَلُ عنهم من ذلك إما غير راجح، وإما غير داخل في حيز الإمكان، ثم إنا نبوح بسرنا، ونظهر ما كتمناه من أمرنا، وإن صدور الأحرار، قبور الأسرار، وفي النفس أمر لم نزل نكتمه عن البعيد والقريب، وإن لم يكن فيه ما يريب، لكن قد ينشأ من إظهار الصواب ملام، وقل من يتأمل المعنى الدقيق إلا أولي الأحلام، وهو أنَّا نظرنا في إقامتنا بالديار اليمنية، وما حكم أعمالنا بها في كونها مرضية، وما ثمرة ذلك المطلوب ومغبته المحبوبة، فوجدنا خلاصة عملنا فيها، وقصارى بغيتنا منها، السلامة من شر أهليها، والنجاة من انتهاك النفس أوالعرض فيها، وتوفر زكوات نطلبها، واستحصال حقوق واجبات نجمعها، ثم نذهبها في المداراة، ونتلف معظمها لأولي التأليفات، ولم نجد قابلية لأهلها في قبول أوامرنا ونواهينا، وإخلاص الطاعة والمودة فينا، وامتثال ما رمناه من خلاصهم وصلاحهم، واعتماد ما يوصلهم إلى ظفرهم وفلاحهم، بل نفوسهم طامحة، وأعينهم رامحة، إلى أن نكون نحن المطيعين لهم، والمسعدين إلى مرامهم، فإن طلبت منا عطية لانتمكن منها، أو نتحرج عنها، أو مصارفة غير مخلِّصة، ولا واقعة على القاعدة المعتبرة، أو وضع ولاية لمن لا يصلح لها، ولا هو من أهلها أو غير ذلك من الأغراض الفاسدة والأهواء التي ليس لها في أمر الدنيا قاعدة، ولم نفعل ذلك، ولم نسلك معهم تلك المسالك، كان سبباً في كثرة الأذى، وإثارة العداوة والبغضاء، وإذا أردنا أن نرضي بعضاً أغضبنا بعضاً، ولا نعلم أن أحداً ممن يفد علينا، أو يرد إلينا في الأغلب -على أنه لا انحصار لعددهم، ولا انقطاع لمددهم- يكون بغيته منا، وغرضه من وفوده إلينا، أن يستفيد منا أمراً أشكل عليه من أمور دينه، أو يقصد بذلك الخروج من دائرة شكه إلى حيز يقينه، أو يرجع منا بمسألة قد استفادها، أو طريقة صالحة اقتبسها منا واستعادها، بل يكون الغرض إما عرضاً من الحياة الدنيا، أو مساعدة إلى شيء من الأهواء، وشأننا في خلال [ذلك] ومهمتنا تلقي من يرد ويفد بالتوقي لغضبه وشره، والتحرز من خدعه ومكره، والترقب لما ينفح من أذاه وهجره، إما بسبب طعام لا يعجبه، أو عروض أمر يغضبه، أوعطية يستقلها، أو بغية لا يجدها، فيغتاظ لها، نسهر في ذلك ليلنا، ونتعب فيه نهارنا، حتى لا نكاد نصلي صلاة في وقت اختيارها إلا في الأقل من الأوقات، ولا نتفرغ لعلم نفيده أونستفيده إلا في اليسير من الساعات، ولا نخلو في الأغلب خلوة ذكر وتفكر وما أنفع الخلوات، ونحن على هذه الحال، إلى أن ننفق جميع ما جمعناه، ولا نستفصل شيئاً مما حصلناه، إما لجهاد ذوي الظلم والعناد، أو لسداد ذوي الفضل والرشاد، أو إحياء علم يستفاد، أوتأسيس مصلحة دينية تستجاد، فإذا فرغ ما في أيدنا أوكاد، انتقلنا عن اليمن والأمر بخلاف ما يظن، نخشى من الإقامة فيه وبين أهليه، مع نفاد بيت المال على تلك الصفة، والحال أن يطلبوا منا مالا يجدونه، ويحاولوا منا مالا يدركونه، فيعودوا أعداء يبتغون لنا الغوائل، ونقع منهم في الخطوب الجلائل، ومع ذلك فشكرهم لنا قليل أو معدوم، وأكثرهم يظهر أنه من جهتنا موتور ومغموم، والأخوان الصالحون عنا في خلال ذلك مبتعدون غير مقتربين، وغائبون غير حاضرين، وغافلون غير ذاكرين، وخاذلون غير ناصرين، لا يصبرون عندنا ولا يصابرون، ولا يعينوننا فيما نعانيه ولا يحاصرون، ولو أنهم حضروا وصبروا، وواسوا وأعانوا، لصلحت والله الأمور، وانشرحت الصدور، وانتزحت الشرور، وانتظم أمر الجمهور، ولكن ما يعمل الواحد وحده؟ وما يبلغ سعيه ولو استفرغ جهده؟ فلذلك ضاق الصدر، وعيل الصبر، ونظرنا إلى صفة أمرنا وسيرتنا في الجهات الأخرى، فوجدنا الحكم لنا على أهلها، وبيدنا النظر في عقد أمورها وحلها، لا يضطرنا أهلها إلى خلاف ما نريد، ولا نقول ونفعل فيها إلا ما هو جار على المنهج السديد، ثم لا تغرب شمس نهار، وينسخ ظلمة ليل طلوع الصبح بالأنوار، إلا ولنا سُنَّةً نحييها، أو بدعة نميتها، أو علوم ننشرها، أو حِكَم نظهرها، أو قواعد مصالح دينية نؤسسها، أو وظائف تقى وهدى نصونها عن التغيير ونحرسها، ولقد وقع في هذا العام من المصالح العظام، وإحياء المدارس التي كانت دوارس للعلوم والقرآن، وبناء الجوامع والمساجد في كثير من البلدان، وإقامة الحدود، وإزالة المنكرات، والتشديد على أهل الأفعال المقبحات، وتقوية الأمر بالمعروف، وإزالة كل منكر مألوف، في جهات كانت قبل قيامنا معروفة بالقبائح، ومجمعاً للرذائل والفضائح، لا يكاد يوجد فيها صالح، ما لو اطلع عليه الأخوان لقرت منهم به الأعيان، ولعلموا أنه نتيجة الإمامة المقصودة، وثمرتها المستطابة المحمودة، فهذا أمر كلي، ووجه جلي.

وهنا وجه آخر اقتضى تراخينا عن الخروج إلى جهة السودة في هذه المدة، وهو أنا لا نتمكن من الخروج إليها، والتعريج عليها، إلا في إقبال الثمار وحضورها، وانسكاب الأرزاق ودرورها، لأنها جهة لا يدخل منها نفسها مصلحة تقوم بشيء من المشاق والمكالف، وفيها من الصرف والانفاق مالا يقوم به التالد والطارف، فما لم يصادف وصولنا إليها ما ذكر لم يمكن فيها المقام، ولو قليلاً من الأيام، ثم أنها وغيرها وما حولها من الجهات والأماكن التي تليق الإقامة بها والوصول إليها فيها هذا الزمان من الحطم وقلة الحَب وغلاء السعر ما قد ربما انتهى إلى الخواطر الكريمة، فلذلك أحجمنا بعد أن نوينا الخروج مرة بعد أخرى، وهممنا وقد آن وقت الانتهاض وحصول الأغراض إن شاء الله تعالى وبنينا على الخروج وإن شابه ما شاب، بعد استخارة الله واعتماد ما أجمع عليه الأصحاب، ونحن مع ذلك نلزم الأخوان الأعيان والفضلاء أولى الأديان أن ينتهضوا إلينا حال انتهاضنا إلى موضع إقامتنا، لنتفاوض نحن وهم في الأمور العامة والخاصة، ونهتم جميعاً بما هو الزبدة من أمر الإمامة والخلاصة، ويكون أمرنا بيننا شورى، ونعتمد ما هو الأولى بنا والأحرى، ونتأمل ما هو الأقرب إلى السلامة في الأخرى، ونتعاون على البر والتقوى، ومدافعة أولي الأغراض الفاسدة والأهواء، وننشر العلوم التي عفت آثارها، وتهدم منارها، وتوارى أوارها، وتعهد المصالح، وتمييز المرجوح من الراجح، نرمي في ذلك إن شاء الله عن قوس واحدة، وعزيمة صحيحة غير فاسدة، وأما ما تضمنه كتاب الأصحاب (الإخوان) من ذكر الأخير من السببين وهو ميل ذلك الصاحب عن الجانب، وإن ذلك لِشَكاوٍ ذكرها، ودعاوٍٍ أظهرها، وكون الراجح إسعافه وإنصافه، فنحن على يقين من كون الداعي لهم -أمتع الله بهم- إلى ذلك النصح الذي يجب، وأن كلا منهم يريد الصلاح ويحب، ولكنهم -بسلامتهم- يحملون الأمور على ظواهرها، ولا يطلعون على بواطن القلوب وسرائرها، ولو أن الأمر كان كما ظنوه واعتقدوه لكان الرأي الصائب ما رجحوه -بسلامتهم- وأيدوه، ولكن الأمر على خلاف ما ظهر، وعند جهينة الخبر اليقين من الخبر، ونشهد لكم بصدق ما أشرنا إليه، ونبهنا عليه، أن هذا الصاحب المذكور قد كان على ما عرفتم من الإجمال، والملازمة مدة طويلة لا يسمع منه اعتلال، ولا ينظر في موالاته اختلال، والحال الحال، واسألوا هل حدث هذا الزمان في جانب أولئك المجعولين علة حادث؟ أو صدرت إليهم إشارة، بقول أو فعل أو أمر كاره؟ تجدوا ذلك أمرا لم يكن، ولكن لما أدرك الشيطان ما أراد، وجرى مجرى الدم بل زاد، وقعت التعللات الباردة، والتمحلات الفاسدة، ثم انظروا -حفظكم الله- بما يدلي هذا الرجل فيما ادعاه علينا، بسبب أولئك الناس، هل بوصاية؟ فهي منتفية، أو ولاية؟ فهي لنا دونه، أو قرابة فهي معدومة، أو مصاهرة؟ فما من ذلك إلا مثل الذي لنا، أو ضمانه؟ فما هو بكفيل ولا وكيل، أو الله وحسبه علينا، فكيف يقوم لله من يطلب أن يفعل ما لا يرضي الله؟! وما أحسن ما قاله أمير المؤمنين عليه السلام  إمَّا ما هو كذا وكذا، فلم يكن الجناية فيها عليك، فيكون العذر فيها إليك، أوكما قال، والذي يمكن أن توجه إليه عليه هذه أحد أمرين، إما العهدة فإن زعم كما ذكر بعض الإخوان عنه أنها لهم ملك وأنها وديعة عندنا لهم، فهم أيتام في حجورنا، ونحن المنفقون عليهم، وهم الآن صغار، فإن طلب ردها إلى أيديهم لم يسع ذلك، وإن كان إلى يده فلأي وجه؟ وليت أنه يستمر على هذه الدعوى، فهي دعوى شرعية، والشريعة ممتثلة، فإن رجلاً من أضعف رعيتنا في جهة الشام إدعى عليَّ دعوى فأجبته إلى مجلس الشرع الشريف، ولم أمتنع عن ذلك مع معرفتي لعدم صحة دعواه، وأي ملكٍ لهم في عهدة هي لأئمة المسلمين خلفاً عن سلف، وهذا والدهم وصيته موجودة كاتبها وشاهدها الفقيه الأفضل أحمد بن محمد الخالدي ()، ذكر فيها ما يملكه وما هو لبيت المال، واعترف بأن العهدة للمسلمين، ومما هو لله فولايته إلى الأئمة الراشدين، فبأي وجه أو سبب يريد أن ينتزعها عن يد الإمام، ويضعها في أيدي النساء والأيتام الذين لا يقدرون على حفظها، ولا يتمكنون من قبضها؟! اللهم إلا بظلامات يفعلونها، وأموال يغصبونها، ودماء يسفكونها، إنا لله وإنا إليه راجعون، وإنا إلى ربنا لمنقلبون، وإن كانت العلة ما حكي عنه من قلة ما ينفق عليهم، وأنهم قد يجوعون والمخازين فيها الحبوب، ويعرون ولا يحصل لهم المطلوب، فلا يخلو إما أن يدعي أن الذي في مخازيننا هو لهم ولم ينفق عليهم، ففرية ما فيها مرية، إنا لم نقبض لهم درهماً ولا ديناراً، ولا حوت أيدينا لهم قطميراً () ولا قنطاراً ()، وإن اعترف بأن الذي معنا ليس لهم بل من بيوت الأموال وحقوق الله تعالى، فأي واجب لهم فيها؟ وما سبب الاقتراح على الإمام في أنه لم يعط بني فلان؟ فإن للإمام في ذلك نظره، وغيرهم من المسلمين أكثر احتياجاً واستحقاقاً، وأما هم فما فيهم غير غني إلا طفلان صغيران، فهما لا أعلم غناهما، وبقيتهم من الأغنياء بالإجماع، ثم كيف يتصور هذه العلة مع أنا قد تواطينا نحن وهم على قدر معلوم ينفق عليهم، وما زالوا يطلبون زيادة مرة بعد أخرى، ونحن نسعدهم حتى وضعوا خطهم -وهو بأيدينا- بأنهم قد رضوا، وحضر هو على موقف آخر بعد وضع الخط وطلب الزيادة ففعلناها،  وكلما وضع لهم في السنة يسلم مرة واحدة من أفضل الحب مع زيادته على الكفاية، ولهم حبوب من أموالهم لا يعتدون بها، ولا يحسبونها، ثم ليسأل فيم ينفق تلك المخازين؟ هل في حفظ العِهَد وحفظهم، مع شدة طلب إعادتهم لهم؟ أو ينقلها من السودة إلى غيرها، وينتفع في غير تلك الجهة بها؟ وإن كانت العلة طلب الضمانة، ففي أي دين؟ أو على أي وجه يحارب الإمام؟ على أن يُضَمِّن رجلاً من القبائل على نفسه بأمر لا يجب عليه، فضلاً أن تجب الضمانة به، ثم إنا نُعّرفهم -أبقاهم الله- بأن الغرض من الضمانة ليس ما أظهروه من طلب الوفاء، فإنهم عالمون يقيناً بأنا غير متأخرين عما قد تقيد بيننا وبينهم، بل الغرض التوصل إلى انتزاع العهدة من اليد، لأن الخطوط لها قيود وشروط لا يعرفها إلا أهل المعرفة التامة، فكيف يتمكن من معرفتها من هو من العامة؟ فإذا ضمن والي العهدة فيما تضمنته الخطوط لم يعرف الشرط من المشروط، ومن عادة الولاة اعتقاد أنه لا نقا لهم إلا بطيبة نفس المضمون له، فمن ثاني وقوع الضمانة يدعون أنهم قد وقعوا في خلاف ما تضمنه الخطوط، ويلومون الوالي ويتعاظم الخصام، هذا والله هو القصد والمرام.

ولقد علمت بالتنوير، وتحقيق النظر والتحرير، أني لو أجبت إلى ذلك لكانت ثانية قضية التحكيم، وإني لا أُلام الآن على أن لا افعل، اعتقاداً لحصول المصلحة به، فمتى فعلناه وثبتت مفاسده وقع اللوم العظيم على الفعل، وقد وقع الخلل، فإن هذه الجهة هي قاعدة الجهات الإمامية والحاكمة على المغربية منها، والمشرقية، وباختلالها تختل الأمور، وينتثر نظام الجمهور، واعلموا -متع الله بكم- أنا لم نمنع السيد عن أمر رامه منا ولا كففناه عن تصرف في شيء عن أمرنا، ولا أبقينا جهداً في استطابة نفسه، واستجلاب أنسه ومقابلة إغلاظه بما لان، والصبر على جرحه مدة من الزمان، ولقد كنا نأمر بأمر فيأمر بخلافه، فيتم ما أمر به ونُغْضي على ذلك له، فلما وقع الإياس، وظهر أمره بين الناس، لم نزد على التعريف لحقيقة الحال من غير إفراط ولا إيغال، وتيقنا أن مساعدته إلى ما أراد لا يحصل منه ما يريد، بل يزيد من بعد ذلك في المجانبه ثم يزيد، وعلمنا أن الذي حاوله منا لا يسوغ عند الله تعالى، ولا يريده سبحانه ولا يرضاه، فما رضينا أن نرضي المخلوق بسخط الخالق، وتلك بلا شك إحدى البوائق، والآن فهذا الفرس وهذا الميدان، وعند الإمتحان يكرم الرجل أو يهان، وتحضرون حفظكم الله ونحضر جميعاً، وتبينون الأغراض والمقاصد، وتميزون الصحيح من الفاسد، فما صح أنه يتوجه، وأنه واضح المحجة، وأن المصلحة في فعله لا في تركه فعلناه، وكان شيئاً واضحاً بيناً متيقناً، ثم إذا تبين أن المصلحة الدينية تحصل بأن نضمن به، وإن ذلك لازم متوجه ضمناً، وما امتنعنا وبنينا الأمر على خير أساس، ولم نخرج عن مقتضى الكتاب والسنة والقياس، فاعملوا -متع الله بكم- على حضور يعتمد، ولا يغيب عنه منكم أحد، ألهمنا الله جميعاً لرشده وأصلح من الأمور ما فسد.

وما أشرتم إليه -حفظكم الله تعالى- من كونه يحدث بانحراف السيد تغير كثير فصحيح ذلك، وما أحد إلا وله أثر في التغيير من هو دونه، كيف بمثله، ولكن إذا كنا نعلم أن بالإسعاد إلى ما أراد يقع الغيار الأكبر، ويتفق من الفساد ما هو أكثر، ثم لا نحظى بما نريد من صلاح أمره في الجانب ولا نظفر، فما الرأي؟ ثم ما تقولون إذا كنا نعتقد أن فعل ما أراد منَّا لا يسوغ لنا عن حقيقة وقوة بصيرة، لما يفضي إليه من مفاسد عظيمة ومظالم جسيمة؟ فهل تداركه أَلا يتغير يسوغ لنا ذلك أو لا؟ ولِمَ لم يتدارك أمير المؤمنين طلحة والزبير وعائشة أم المؤمنين، مع أنهم إنما طلبوا منه أمراً يسيراً بالنظر إلى حالهم حتى آل؟ الأمر إلى ما آل، ولم يسعد معاوية إلى أن يوليه أرض الشام، حتى آل الأمر إلى ما آل من استيلائه على الشام وعلى غيره، وإثارة الفتن العظيمة الهائلة؟ فمن مذهبنا ومذهب المسلمين أجمعين عدم تخطئة أمير المؤمنين سلام الله عليه.

ثم انظروا متع الله بكم، هل تغييره للناس وما ينشأ بسببه من الفساد أمر حسن؟ فليس لنا أن نحترز عنه أو أمر قبيح فعلى من عقابه وإثمه؟ إن التغيير في الحقيقة بذلك على نفسه، ولو أن الإمام لزمه في سيرته أن يفعل ما يستقبحه، ولا يستصلحه، ولا يسترجحه، لتحكم بعض المأمومين عليه، ولئلا يتغير أو يغير عليه لصار الإمام مأموماً، ولأصبح تابعاً ولم يكن متبوعاً، ولأدى ذلك إلى أن يلزمه النقيضان، ويكون من فرضه أن يجمع الضدان، فقد يكون الإقدام على أمر مما يقتضي تغير متغير وتغييره والإحجام عنه كذلك، وإنما فرض الإمام أن يمضي في أمره على ما يقتضيه رأيه وتدبيره، وتحقيقه وتحريره، وعلى المأموم أن يطيعه، ويحفظه ما يجب عليه من حقه ولا يضيعه، ويؤثر طيبة نفس الإمام على طيبة نفسه، ويقدم مراده واجتهاده، على عكسه، ويجتنب هواه، ولا يؤثره على تقواه، فإن اتباع الهوى خسران في الآخرة والدنيا، وكفى في تفظيع شأنه، وتعظيم خسرانه، ما رواه الطبراني وابن أبي عاصم عنه صلى الله عليه وآله وسلم  ((ما تحت ظل السماء من إله يعبد أعظم عند الله من هوى متبع)) ()، وقال صلى الله عليه وآله وسلم : ((وأما المهلكات: فشح مطاع، وهوى متبع، وإعجاب المرء بنفسه)) ().

 ومن الغرائب والعجائب ما نقله بعض الأخوان ورأيناه بخط عَلَمٍ من الأعيان إن الصاحب المشار إليه، قال: لا بد له من ضمانة فلان بما هو كذا، أو أن يحضر المسلمون كافة، ويحكموا له أنه لا لوم عليه في ترك مناصبة الإمام في ذلك المرام، ويضعون خطوطهم له بذلك، فيا للعجب ولضيعة الحلم والأدب، تالله ما سمعنا بمثل هذا فيما مضى من اقتراحات الأمة على الأئمة، ولا ندري ما قصد؟ هل حكم الله؟ فما ورد بشرع الله بأن المسلمين يحكمون جميعاً في شجار يعرض، وكيف؟! وفي ذلك غاية الشجار، وإنما ورد الشرع بأن يحكم واحد، إذ حكمُ الله واحد أو حكمُ   الطاغوت، فمعاذ الله أن نجيب إليه، وأكثر ما علمنا من عادة أهله تحكيم ثلاثة، وأما طلب أن المسلمين يجمعون له في صعيد واحد، ويحكمون كلهم بحكم واحد، ويضعون خطوطهم في صك واحد، فهذا كلام بارد، وكفى به دليلا على الباطل، وشاهداً بأن نظر صاحبه عن حِلْية الإصابة عاطل.

وأبلغ ما انتهى إليه الاقتراح طلب الحكم من حكمين اثنين فقط لمعارض يزعم أنه الأولى بالأمر، فأما طلب مأموم من الإمام أن يرافعه إلى المسلمين كافة، وأن يحكموا له كافة، فهذا من الأساطير، والغرور الكثير، وطلب الأمور المتعذرة التي لا تبلغها مقدرة، ولكن ما عشت أراك الدهر عجباً، وإذا حقق النظر فأعجب من ذلك وأغرب أن تصغي إلى ذلك الأسماع، وتغضي عيون الأعيان عند ظهور مثل هذا الابتداع، وتخمد نار الغضب لله، وتركد ريح الحمية على دين الله، ويتلعب بالدين، بين ظهراني العلماء الراشدين، وهذا من قبيل التذكير، لا من قبيل التنكير، وفي علمكم الغزير، وحلمكم الجم الغفير، ما يمنع عن التفريط في جنب الله، وعدم التراخي فيما أوجب الله، وفي كتابكم الكريم إشارة إلى تقدم كتب قبله، ولم يبلغنا إلا ما هذا جوابه.  والسلام عليكم والدعاء مستمد.

وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم إلى يوم الدين

 [جوابات له عليه السلام على بعض المقترحين الذين دأبهم التعامي والتجاهل]

وهذه أجوبة له عليه السلام  على بعض المقترحين، الذين دأبهم التعامي أو التجاهل عن سيرة أمير المؤمنين، الواضحة لكل منصف أمين، وليس [لأهل] الأهواء والأغراض من المتبعين.

190 / 331
ع
En
A+
A-