لألـفينك بـعد الـموت تندبـني

 

وفـي حياتـي ما زودتـني زادا

الـمرء مـا دام حيـاً يُستـهان به

 

ويـعظم الـرزء فيه حين يُفْتَقَدُ

{أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ}[فاطر:8] {قُلِ اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ}[الزمر:46] ..تم.

[كتاب له عليه السام إلى أهل تهامة يحذرهم عن بيع الرجا]

وكتب إلى تهامة كتاباً يحذرهم عن استعمال بيع الرجا ()، وهم يسمونه بيع التمليك، استدعى ذلك الحاكم المنصوب، قال بعد البسملة:

 نحمد الله على أن جعلنا هُدَاةً إلى دينه، وحَفظةً لشرعه، وصرف هِمَمَنا إلى قمع هامة الضال عن سبيل رشده وردعه، ونصلي على أبينا وسيدنا عبده ورسوله، وعلى آله وصحبه، صلاة تقوم وتدوم دوام طلوع كل كوكب وأفوله.

وبعد؛ فإنا ممن قَدَّر قبح الربا حق قدره، ولم يزل ينوه من فوق المنابر، وفي بطون الصكوك والدفاتر، بتقبيح أمره، ويبالغ في ردع مرتكبه، والمرخص فيه وزجره، قصداً لله، واتباعاً لمراد الله، وحراسةً لشرع رسول الله، بعد أن أطْلَعنا من أدلة تقبيحه وتشنيعه، وتنكيره وتفظيعه، على ما يهول ويبهر العقول، وكفى بقول الله تعالى: {الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ} [البقرة:275]، {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ} [البقرة:278]، وقوله وهو أصدق القائلين بعد النهي عنه: {وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ} [آل عمران:131]، وقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم : ((الدرهم الواحد يصيبه الرجل من الربا أعظم عند الله من ثلاث وثلاثين زنية يزنيها في الإسلام)) ()، وقوله صلى الله عليه وآله وسلم : ((الربا ثلاثة وسبعون باباً أهونها مثل أن ينكح الرجل أمه)) () وغير هذا، وغيره مما ينبغي أن يُقَفَّ له الشعر ويذهل الألباب لعظيم الخطر، فلذلك بالغنا في التحذير عنه والتنفير منه، وجعلنا مضمره كمظهره، وخافيه كباديه، وانتشرت بذلك الفتاوى والأوراق، في جميع النواحي والآفاق، ولم يرج عندنا ولا يسوغ من الحيل التي يعتادها الناس فيه، ولا نوع من أنواع الرجا الذي لا يجد اللبيب مخرجاً من الإثم فيه لمن يقتفيه، وإنما هي حيل، ووصل إلى مصادمة مراد الشارع ومقصوده، ومخالفة مقتضى حكمته وتعدي حدوده، ولو كانت الحيل تُسّوغ ذلك لسهلت إلى هدم قواعد الشرع المسالك، فما من واجب إلا وهو يمكن التحيل في سقوطه وعدم وجوبه، ولا من محرم إلا وهو يمكن التوصل إلى استباحته وركوبه غالباً، ألا ترى أنه يمكن من يجب عليه الوضوء والماء عنده أن يتوصل إلى إسقاط وجوبه بإراقة الماء، ويمكن من تجب عليه الصلاة أن يحتال في سقوطها بأن يعرض نفسه للنوم فينام حتى ينقضي وقتها، ويمكن من معه النصاب أن يخرجه عن ملكه قبل انقضاء العام بيوم أو يومين أو أيام، وعلى هذا فقس في واجب الحج والصيام، وغيرهما من فروض الإسلام، وكذلك التوصل إلى تحليل المحرمات والمحظورات، كأجرة البغي، والمغني وغير ذلك، فأبواب الحيل واسعة مفتوحة، وطرقها واضحة مفسوحة، وإنما يجوز من الحيل مالم يتوصل به إلى أمر لا يخالف مراد الشارع، ولا يكون عن المهم المقصود بمانع، كما أجاد بعض الأئمة عليهم السلام ، ونبه على تحيل من حلف بصدقة ماله لا وصل رحمه بأن يخرج ماله عن ملكه إلى من يعيده إليه، ثم يفعل ما حلف ألا يفعله، فإن هذه حيلة مباركة، سهَّلت سبيل صلة الرحم، التي هي من أجل القرب المقربة إلى الله، وهي في العمر منسأة، وفي المال منماة.

187 / 331
ع
En
A+
A-