أحدها: أن هذا قاضٍ لهم وشاهدٌ عليهم بكراهة ما يريده الإمام، وما يصلح لجانب الحق، وما تقوى به الشوكة، وسعي منهم في تضعيف أمر الإمامة، ولن يصدر ذلك إلا ممن باطنه غير سليم، ودينه غير قويم، وهل هذا إلا مصادمة لما قاله النبي الكريم، عليه أفضل الصلاة والتسليم: ((ليس للمرء إلا ما طابت به نفس إمامه)) ()؟

وثانيها: أنه تَصَّدَّر للفتوى في عظيمة جليلة، ذات خطر عظيم، ممن الفتوى في أدنى مسألة محرمة عليه، فإن هؤلاء المفتين ممن لا يبلغ درجة الاجتهاد،  بل لا يدانيها، ولا يرتقي إلى مرتبة الترجيح، ولا يأخذ بنصيب فيها، والفتوى على من هذه حاله محرمة بالاتفاق كما هو مقرر في علم الأصول، وبالغ فيه العلماء الفحول، وما أحق من تصدى لذلك بأن يقال له: اطرق كَرى إن النعام في القرى ()، ولو أن كل من طالع المذاكرة أو التذكرة، وعرف الألفاظ التي فيها -مع بعد معرفته لمعانيها- يكون مفتياً، لما كان في الناس الذين لهم أدنى تمييز من يعجز عن الفتوى، وحاشا لله وكلاّ أن يتصدى للفتوى إلا العلماء النحارير، وأهل البحث عن مآخذ الأحكام والتنقير، لا أهل القصور والتغفيل والتقصير، فمن أقدم منهم على إفتاء العامة فقد أقدم على الإغواء والإضلال، وتجاسر على مالا يرضى به الملك المتعال.

وثالثها: أن هذا المذهب المشار إليه، الذي عوَّل أهل الانحراف وكراهة الخير عليه، مذهب شديد الضعف، واهي العرى، واضح البطلان، حقيق بأن لا يعول عليه إنسان، وفي تصحيحه إبطال أمر الإمام من أصله، فإن الإمام في أول قيامه ودعوته لا ينفذ له أمر على واحد من الناس، فكان مقتضى هذا المذهب أن يصح من الناس إذا دعاهم القائم بهذا الأمر الكامل فيه أن يقولوا: نحن نعرف كمالك، وجمعك للشرائط، ووجوب طاعتك، لكن لا تنفذ أوامرك علينا، فلا يجب علينا تسليم حقوق الله إليك، بل ولايتها إلينا لا إليك، ونحن نصرفها في مستحقيها. وإذا فعلوا ذلك فلينظر الناظر هل يستقيم للداعي بعد ذلك قاعدة؟ أو يكون لقيامه فائدة؟ فإن الحقوق إذا منعت منه لم يتمكن من شيء قط مما قام لأجله، كجهاد الظالمين، وسد الثغور، وحفظ بيضة الإسلام، وغير ذلك، ويكون من حقه أن يقعد في بيته لا إصدار له ولا إيراد، ولا جهد له ولا جهاد، ثم إن لنا أن نقول: لا يبعد أن يكون هذا المذهب كالخارق للإجماع، فإن من المعلوم إجماع الأمة في زمن الصحابة وبعدهم على أن للإمام قتال من عصاه، أو منعه الزكاة، ولن يمنعه الزكاة إلا من لا تنفذ أوامره عليه، ومن كانت أوامره لا تنفذ عليه فلا ولاية له في حقه، فكيف يقاتله على شيء لا ولاية له فيه فتأمل، فإن هذا وجه واضح وتعليل راجح، ولنا كلام متقدم في توهين هذا المذهب غاب عنا حال رقم هذا الطرس، ونحن رقمناه حال استعجال بعلم حامله وفي حال تأهبه للسير في وقت متضيق.

ورابعها: أن هذا المذهب لو سلم تمشيه فقد نص علماء الفقه على أن الإمام إذا ألزم الناس مذهبه فيما يقوى أمره لزمهم ذلك، فلم يكن لهم سلوك في غيره من المسالك، ونص الهدوية على أن ذلك مع عدم مطالبة الإمام بالحقوق وإلزامه لأهلها الذين لا تنفذ أوامره عليهم تسليمها، فأما مع الإلزام فيعود الخلاف إلى الوفاق، ويقع الائتلاف على لزوم طاعته، وثبوت ولايته والاتفاق، وإن خالف في ذلك شذوذ من المذاكرين ليسوا فيما ذكروه على تحقيق ولا يقين، ولعمري ما قصد المفتي بذلك إلا التوصل إلى الاختطاف والانتهاب وما يعود عليه من الغرض في فتح هذا الباب، وليت شعري ما يكون حكم مثلنا إذا أفتى شيعة كل ناحية وجهة أهلها، بأنه لا يلزمكم تسليم الحقوق إلى الإمام ففعل ذلك أهل اليمن والشام، من المميزين والعوام، إذاً لا ينتهي إلينا درهم ولا دينار، ولا نتمكن في المعروف والمنكر من الأمر والإنكار، ولا نستطيع ضرباً في الأرض، ولا إحياء سنة ولا فرض، و لاَنْطَمَس هذا الأمر بالكلية، وانتثر نظام الراعي والرعية، فيالها من غلطة شنيعة، وخطة فضيعة، بينا الناس مكلفون بطاعة الإمام وإجابته، والسعي في نفعه وإعانته، إذ عادوا إلى الصد عنه، وأمر الناس بالبعد منه، فهم {وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ} [الأنعام:26]، ومن بدع هذا الزمان، وما يقضي منه العجب؛ امتناع الشيعة والمميزين عن تسليم شيء من حقوق الله الواجبة عليهم إلى الإمام، مع معرفتهم لكون ولايتها إليه، والاعتماد فيها عليه، تأنفاً منهم وترفعاً عن فعل ما أوجب الله عليهم، وأي غضاضة في ذلك أو منقصة فيه، وكأن الإمام ما انتصب إلا للعوام، وليس التكليف بأمره عام، لعمري إن هذا من غرور الشيطان ومكائده التي يستغرِ بها عالمَ الإنسان، وهل فرق في التكليف بأمر الإمام بين الأشراف والأطراف، والملوك وكل صعلوك، والعلماء والجهال، والمتقين والضلال، بل أكثر الناس تمييزاً أجدرهم بالقيام بفرض الإمام، وأحقهم بالاعتناء بأمره والاهتمام، فالله المستعان على حال هذا الزمان الذي صار الدين فيه غريباً وقيام الساعة منه قريباً، بل على أهله الذين عدموا الإنصاف، من جميع الأطراف، وكثر منهم الاعتساف، وصار شأنهم في العناد غير خاف، وما أحسن ما نسب إلى الإمام القاسم بن إبراهيم عليه السلام :

لا أشتـكي زمـني هـذا فـاظـلمه

 

وإنـما أشتـكي مـن أهل ذا الزمـن

 

مـن الـذياب الـتي تحت الثياب فلا

 

185 / 331
ع
En
A+
A-