واعلم -أرشدنا الله وإياك- أن مدار هذه الأمور التي دخلت فيها -وما هو من جنسها- مما هو أقل مما أنت فيه وأكثر، على أمور بها يصلح الحال، وتدرك الآمال، بعد إعانة الله وعنايته ومشيئته وإرادته.

 أولها: تصحيح النية وتحسينها، وصيانتها عما يشوبها، وتعهد النفس في أمرها، وعدم الوثوق باستمرار خلوصها وصلاحها، فلتكن النية خالصة، والقصد صالحاً لله ولوجهه، وابتغاء مرضاته، وإحياء دينه، وتحري الأصلح، ومطابقة الشرع، ولْتحترز غاية الاحتراز من أن تشاب نيته بشيء من الهوى، كالتشفي، والمجازاة بأمر سبق مما تعود إليه نفسه، أو أن تذهل عن تلك المقاصد الحسنة، وتخرج إلى غيرها.

الثاني: التأمل لما تُقْدِم عليه من الأعمال وأنواع التأديب، من ضرب وحبس، وطرد، وعقوبة بمال، ونحو ذلك، فتجريها على قانون الشرع، وبتحقق مطابقتها لقواعده، وتحذر من الزيادة على ما شرع، والنقص منه، وتبالغ في إقامة الحدود، ولا تقبل فيها شفاعة شافع، وكذلك تحرص على الانتصاف للمظلوم، والتنفيذ لشرع الله، والشدة على من تمرد عنه حسب الإمكان.

الثالث: أن تباشر ما تعانيه من ذلك بسياسة ولطافة وتجنب لوجوه الشناعة، وطلاقة أخلاق وتسهيلها، لئلا تجمع بين الشدة بالقول والفعل، وبين الغلظة والإيقاع، وحاصل الأمر أنه يجمع بين الشدة واللين، فاللين في القول والخطاب بلين القول لمن راجعه حتى صاحب المعصية، ويخاطب من يعارض أو يستشفع بخطاب حسن فيه بيان الموجب وعدم إمكان العفو.

الرابع: أنك إذا رمت أمراً من حبس، أو جلد، أو طرد، أوعقوبة، نظرت هل ذلك يتم، ولا يقع فيه معارضة مانعة، ولا يتولد منه مفسدة ولا يجر إلى وهن، فإن غلب على ظنك ذلك أقدمت عليه، وإن غلب على الظن عكسه أحجمت عنه، فإن تركه من أصله والاغضاء أهون، وأقل وهنا من إظهار العزم، أو الشروع في العمل ثم الترك، أو الإتمام مع ما يتولد من مفسدة، وإن شككت لم تعجل، وعاودت التأمل، حتى ينكشف الأمر لك ولو بالظن، وإذا غلب على الظن التمام فعملت على الإقدام، وشرعت في الأمر، ثم انكشف ما لم تكن تظنه، فعلت من الشدة ما يمكن، وما عرفت تعذّر تمامه تلطفت في التنحي عنه على وجه جميل، كأن تشير إلى ذي ودٍ وصداقة أنه يتوجه إليك، أو يتحمل بالقرآن عليك، أونحو ذلك.

الخامس: الصبر فإن الله مع الصابرين وما شيء أنفع من الصبر في أمرنا هذا، ولا مفزع كمثله، فتتلقى المشاق بالصبر والتجلد، والتهاون بما لحق من مشقة أو ضرر أو أذى، فلا بد من ذلك لكل من تصدى للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر{وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ} [لقمان:17]، وإذا كان هذا أمر لا بد منه فاللائق بحسن الخلائق التخلق به، ومجانبة الجزع والهلع، فليس يعود منه غرض، وإنما يقع بسببه شماتة أولي الشنآن، ومساءة أولي الود، والإزراء بالنفس وإذهابها حسرات، ومن الأسباب المعينة على الصبر توطين النفس على الحوادث، وعلى لقاء ما تكرهه من الناس، وترقب ذلك إلى حد تلاف النفس وذهابها، فهذا شأن من باع نفسه من الله وأوغل في هذه المعاني.

السادس: الالتجاء إلى الله، والتفويض إليه، والتوكل عليه، وإدمان الذكر، والقراءة والدعاء، وصلاة الكفاية () ونحوها، وإذا صعب عليه العلاج، أووقع في ورطة، أو خاف الوقوع في محذور، فزع إلى الله وإلى كتابه الكريم، فإنه جدير حينئذ بوقوع الفرج، وتسهيل المخرج، والله سبحانه وتعالى ولي التوفيق.

[كتاب له عليه السلام إلى تهامة]

وكتب إلى تهامة كتاباً لفظه:

الحمد لله وحده، و صلى الله على سيدنا وآله، الحمد لله الذي جعل أئمة الهدى رحمة للأمة، وملاذاً لهم في دينهم ودنياهم وعصمة، من تمسك بعروتهم الوثقى نجا وفاز، وأدرك ما رجا وحاز، ومن تخلف عنهم أو انحرف خسر في دينه ودنياه، ووقع من سوء اختياره في شر مهلكة ومهواة، والصلاة والسلام على من اختاره لرسالته واصطفاه، وارتضاه لوحيه واجتباه، وعلى آله الأئمة الأعلام الهداة.

وبعد؛ فغير عازب عن أولي الأحلام والألباب ما افترضه رب الأرباب من الطاعة لإمام الزمان والوداد، والجد في تقوية أمره والاجتهاد، والسعي في الإعانة له والجهاد، وإن من ثبط عنه فقد أخل بالفرض، واستحق النفي من الأرض، وارتكب أمراً عظيماً من العناد، وكان في الحقيقة من أهل السعي في الفساد، ولذلك لم ينكر أحد من الصحابة فيما بلغ ما فعله عثمان في نفيه لأبي ذر رضي الله عنه من المدينة إلى الشام، ثم من الشام إلى المدينة، ثم من المدينة إلى الربذة، مع أن أبا ذر كان عَلَماً من الأعلام وإمام فضل يقصر عنه كل إمام، وما ذاك إلا لما وقع منه من التثبيط، لسبب ظاهر من الانضراب والتخليط، وأنه بلغنا عن عدة من شيعة أهل البيت في زماننا الذين لم يبق معهم من التشيع إلا إسمه، وقد انمحى فيهم تحقيق معناه وانطمس رسمه، أنهم يفتون العوام بأنه لا يجب عليهم تسليم الحقوق إلينا، ولا التعويل في الخلاص علينا، اعتماداً منهم على ما يذكر للهدوية من كونه لا ولاية للإمام إلا حيث تنفذ أوامره، فعجبنا من هذا غاية العجب، وعرفنا أن هذا من بدع الزمان، وكثر العدوان، والتهاون بأمر الإمامة والتجري، وعدم مراقبة الله والتحري، ونحن نوضح خطأهم في ذلك من وجوه:

184 / 331
ع
En
A+
A-