[رسالة غراء وجهها إلى صنعاء اليمن]

ووجه رسالة غرَّاء إلى صنعاء اليمن سببها يُعرف من قراءتها، وأرسل بها إلى بعض أعيان شيعته في شهر صفر سنة اثنتين وتسعين وثمانمائة، وكان إنشاؤها من بعد صلاة الصبح فيما بين ذلك ومن الشروق، وهو بكحلان المحروس، ولما وصلت تلقيت بالتكرمة والتبجيل، وأثنى عليها الثناء الجميل، وتنوسخت في الأوراق، وانتشرت انتشار الشمس ذات الإشراق، وطاب مسموعها وراق، وهي بعد البسملة وما يتصل بها:

نشر الله أجنحة خيره وفضله وجوده، وعقد ألوية نواله وإفضاله وخوافق بنوده، ومد رواق بره ويمنه، وتيسيره وسعوده، وأمطر غمامة سلامه بين بروق إكرامه ورعوده، وساقط رطب إنعامه جنياً بعد اخضرار عوده، ومَنَّ بخلع ملابس لطفه وتوفيقه وأسباغ بروده، وأفاض سجال رحمته التي أخبر بقربها من المحسنين في صادق وعوده، على من بالديار الصنعانية من قادة العترة النبوية، وسادة الأسرة العلوية، أرباب المراتب العلية، والمناصب الزكية، والمناقب التي ليست بخفية، وسائر من بها من أعيان علماء الزيدية، وحفاظ علوم الشريعة الحنيفية، والله تعالى يقيهم كل فتنة دينية، ويصرف عنهم كل مكروه وبلية، ويلبسهم جلابيب نعمه السنية، ويمدهم بلطائفه وعوارفه بكرة وعشية وبعد:

فصدور هذا الكتاب عن أحوال صالحة، وأعمال بلطف الله رابحة، وآمال إن شاء الله ناجحة، ووجوه يُمْنٍ وجد غير كالحة، لمذاكرة تلك الأندية الكريمة، والمجالس الوسيمة، فيما ظهر هذا الزمان وشاع وذاع، وطبق ذكره النواحي والبقاع، من الارتشاء في الأحكام، والمصادمة فيها لقواعد الإسلام، والتلعب بالشريعة، والارتكاب في أمرها لكل خصلة فظيعة، وتغلب كثير عن الإجابة إليها، وتعاظم طوائف عن الانقياد لها والإقبال عليها، وتطابق متعاطي القضاء في ثلا وصنعاء، على سلوك طريقة في ذلك شنعاء، وتوافقهم فيه على وظيفة واحدة، وقاعدة منهارة، وبئست القاعدة، واتَّباعهم في تلك الأهواء، واتخاذهم إياه من متاع الحياة الدنيا، فيا لله للإسلام ولشريعة خاتم الأنبياء عليه السلام  التي ما بعث صلى الله عليه وآله وسلم  رسولاً، ولا نزل القرآن عليه تنـزيلاً إلا لنشرها في البلاد والعباد، وكف أكف أولي الصد عنها والعناد، وغير عازب عن أولي النهى والأحلام انتفاء الترخيص في إحكام أمر الأحكام، وما في ذلك من التشديد في شريعة من هو للرسل خاتم، وشرع من قبله في الزمان المتقادم، وقصص القرآن الكريم بذلك ناطقة، وسهام الملام منه لأرباب الخور راشقة، والآيات المصرحة بكفر من لم يحكم بما أنزل الله وظلمه وفسقه مطلقة، والآذان عن استماع زواجر القرآن في هذا الشأن غير مُطْبَقَة، وقد ذكر بعض جهابذة التفسير والتأويل، أن ذنب نبي الله داود المشار إليه في التنـزيل، ما صدر منه من تساهل في هذا القبيل، يسير قليل، وأنه كان السبب في بكائه وانتحابه الزمان الطويل، وتوبته التي لم يزل يستعطف بها مولاه ويستقيل، حتى أنبتت دموعه بسبب ذلك العشب على ما قيل، ونعى الله سبحانه وتعالى على اليهود والنصارى عدم الحكم بمقتضى التوراة والانجيل، مع تضمخهم بأدران الكفر والطغيان، وجحد الرسول والقرآن، فما أهمل ذلك بترك ذكره، ولا أغفل تفظيع شأنه وتقبيح أمره، ولا عجب من أن يتبع الشيطان في هذا الشأن الواحد والإثنان، إنما العجب من غفلة أرباب الحل والعقد، وعدم المنع منهم عن ذلك والصد، وتقريرهم لمن أوامرهم نافذة عليه، وسكوتهم لأهل جهاتهم في التهالك على ذلك والتجاري إليه، وما كان جديراً بذلك مَن ألقيت أزمة الإيراد والإصدار في يديه، وحطت بأعكامها ركائب النقض والإبرام لديه، لتوجه الرعاية للمتبع من أشرف نصاب ونجار، والمرجع إلى أكرم أرومة وأرفع منار، مع وضوح ما وجب في ذلك من التغيير والإنكار، وظهور ما ورد فيه من القرآن والأخبار والآثار.

أما القرآن فها ذا هذا يتلى في الليل والنهار، وأما الأخبار فنحو ما ورد عن المصطفى المختار، من قوله: ((لعن الله الراشي والمرتشي)) ()، أخرجه أبو داود وغيره من رواية عبد الله بن عمر، وقوله صلى الله عليه وآله وسلم : ((الراشي والمرتشي في النار)) ()، رواه الطبراني، وقوله صلى الله عليه وآله وسلم : ((ما من قوم يظهر فيهم الرشا إلا أخذوا بالرعب)) ()، وروى جماعة من الحفاظ منهم إمام الحديث أحمد بن محمد بن حنبل عن ثوبان رضي الله عنه قال: (لعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم  الراشي والمرتشي، والرائش) ()، والرائشُ الذي يمشي بينهما، وروى الحاكم أبو عبدالله عنه صلى الله عليه وآله وسلم  من طريق ابن عباس في حديث طويل: ((وإن حكم بغير ما أنزل الله وارتشى وحابى فيه شدت يساره إلى يمينه ثم رمي به في جهنم فلم يبلغ قعرها خمسمائة عام)) ()، وورد ((الرشوة في الحكم كفر، وهي بين الناس سحت)) ()، رواه الطبراني موقوفا على ابن مسعود رضي الله عنه، وورد عنه صلى الله عليه وآله وسلم  في معرض النهي لمن ولي شيئاً من أمور المسلمين أن يولي رجلاً وفي رعيته خير منه من طريق ابن عباس رضي الله عنه قال: قال صلى الله عليه وآله وسلم : ((من استعمل رجلاً من عصابة وفيهم من هو أرضى لله منه فقد خان الله ورسوله والمؤمنين)) () رواه الحاكم في مستدركه، وفي هذا المعنى حديث آخر من طريق أبي بكر فيه لعن وتشديد فاجع.

وأما الآثار فما نقله علماء التاريخ في الكتب والأسفار، من مبالغة من سلف من الأئمة الأطهار، ولاة الإيراد والإصدار، في البوادي الأمر اليسير الحقير، والإغراق في التنبيه لهم والتحذير، وقصة أمير المؤمنين مع قاضيه شريح رحمه الله مشهورة، وملامته إياه على القيام له في مقام الترافع إليه مأثورة، وكونه عد ذلك من جوره، وتعدي طوره، وأغرب من تلك مبالغة المتقدمين من أمراء الجور، وأهل الحور لا الكور، في انتقاد القضاة، واختيار من طرائقه مرتضاة، حتى مبير ثقيف ()، النابذ وراء ظهره فرائض التكليف، سفَّاك الدماء، وشر من تحت أديم السماء، فشأنه كان ظاهراً في الحرص على اختيار الحكام، والعناية في انتقائهم من بين الأنام، وكان من مبالغة خلفاء بني أمية وبني العباس، مع كونهم أظلم الناس للناس، في هذا المعنى المشار إليه مع عدم احتفالهم بغيره من مصالح الدين، وقلة تعويلهم عليه أن ضربوا بعض أئمة العلم والفضل لامتناعهم من التولي للقضاء بالسياط، احتساباً منهم وتوغلاً في الاحتراز على أمر القضاء والاحتياط، وهذا ما لا يجهله أهل التمييز، فكيف بأهل السبق في علم التاريخ والتبريز وأحق الناس بمعالي الأمور، والنظر في صلاح الجمهور، من ولي قطراً كبيراً من أبناء رسول الله حراس دينه، وحماته عن جبابرة البغي وشياطينه، فلا يليق به أن يلقى أمور الشريعة وأحكامها في مستوطنه وأطراف مملكته، وبين رعيته وواردي جهته، وينوطها بمن لا يراقب الله في الأقوال والأفعال، وأن يمكّن منها أهل الأهواء والضُّلاَّل، فيتخذ وصلة إلى اقتناء الذخائر والأموال، ومقترنة بالرشوة في جميع الأحوال، ومنسوجة على شر منوال، ومجراه على غير ما أمر به الملك المتعال، ولا أن يرتضي أن يصير هذا شأن أبلغ مصر من أمصار اليمن، وقصبته الشهيرة فيما قدم وحدث من الزمن، لغير داع إلى ذلك، ولا مقتض لسلوك تلك المسالك، فإن أرباب الأوامر القاهرة لا يخلو نظرهم من التعلق بصلاح أمر الدنيا أو صلاح أمر الآخرة، ومدار النجاة في الآخرة على مراعاة حدود ما أنزل الله، ومطابقة ما افترضه وما ارتضاه، وصلاح شأن الدنيا هو ثمرة العدل ومجتناه، وموجب القسط ومقتضاه، وكل راع مسئول عن رعيته في دنياه وأخراه، وما رخص لمتول أن يهمل النظر بعين الشفقة والإصلاح فيما تولاه، بل هو مأخوذ بأن ينظر لهم كنظره لنفسه، وينصحهم ولا يغشهم في شيء مما يتوخاه، روي عنه صلى الله عليه وآله وسلم : ((ما من أحد ولي من أمور الناس شيئاً لم يحفظهم بما حفظ به نفسه إلا لم يجد رائحة الجنة)) () رواه الطبراني في المعجمين الصغير والأوسط، وقال معقل بن يسار: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم  يقول: ((ما من عبد يسترعيه الله عز وجل رعية يموت يوم يموت وهو غاش لرعيته إلا حرم الله عليه الجنة)) () رواه البخاري ومسلم، وعن معقل أيضاً عنه صلى الله عليه وآله وسلم : ((ما من أمير يلي أمور المسلمين ثم لا يجتهد لهم وينصح لهم إلا لم يدخل معهم الجنة)) ()، رواه مسلم وغيره.

ومما يقضي منه العجب، ويليق أن يصيح الدين منه بالحرب، ويقال فيه يا لضيعة الهدى والأدب، أنه لم يبلغ من تلك الناحية عن أحد من أهل العلم والأدب، إنكار لتلك البدعة الحادثة ولا إدِّكار، ولا إحضار لها بباله ولا إخطار، ولا صرف نظر إليها من الأنظار، ولا نقل أنه اجتمع في شأنها اثنان، ولا أظهر واحد منهم تشنيعها ولا أبان، وأن هذا مما يقضي بمصير الدين غريباً، وقيام الساعة من زمانه قريباً، فإنا لله وإنا إليه راجعون، وإلى الالتجاء إليه والتوكل عليه فازعون، ولما أمرنا به في هذا المعنى وغيره مطيعون وسامعون، ولم نزل بعد بلوغ تلك البدع، وظهور ما يستقبح منها ويستشنع، نتردد هل المباحثة فيها أوعدمها أولى بنا وأحرى؟ ونقدم في مجال ذلك رجلاً ونؤخر أخرى، فتارة تحملنا الحمية على دين الله، والغضب لما لا يرضى الله، على المباحثة والتذكير، وتارة يصدنا عن ذلك ما نظنه من عدم الجدوى والتأثير، إلى أن رجح إلينا أنه قد توجه التذكير علينا، فقد أطلق الله الأمر به ولا دليل على منعه، ووعد سبحانه وتعالى بتأثيره ونفعه، وهذا ما نحسنه ونتمكن منه، ولا يكلف أحد غير وسعه، فأقدمنا مع تقدير أن تمج ما ذكرناه الآذان، ويقابلنا فيه كل ذي شنآن بما يقتضيه التحامل من هجر اللسان، وإن وفق الله بحسن تلقي هذه النصيحة وقبولها، وإنزالها منزلتها في تعظيم معقولها ومنقولها، فالحمد لله وذلك من فضل الله{وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ} [النحل:53]، وقد أفلح من زين الله التذكير في قلبه وهداه، وفي قول الفاروق لنوع من هذا الجنس معتبر: لولا علي لهلك عمر، لم يمنعه عن قبول الحق عجب ولا بطر، بل أعجب من ذلك أن رجع إلى قول بعض الغانيات واعترف لها، فقال: كلكم أفقه من عمر حتى المخدرات، وإن قوبلت بالرد، وحمل مُصدِرُها على خلاف القصد، ونظمت وهي خير هدية، بنص خير البرية في سلك الرسائل الدنية، فقد حصل ما أردناه من أداء ما كلفناه، وتقبل إن شاء الله ما أوردناه، من الإبلاغ في النصيحة، وتحرير الألفاظ والمعاني الصحيحة، وإقامة الحجة، وإيضاح المحجة، وعدم الغفلة عما يتوجه، ومن تجاور ممن وقف عليها الحدود، وسلك بها مسلك المستقبح المردود، وقابلها من الهجر والأذى بما لا يكاد يسلم منه سالك هذا المسلك المحمود، فشأننا التأدب بآداب الكتاب فيما تضمن من الخطاب، لمن كان له في موطن الأمر بالمعروف انتصاب، حيث أمر بالصبر على ما أصاب، وقلنا للمتعدين علينا قد وعينا وإن كنتم ما وعيتم، و{لاَ يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ} [المائدة:105]، وعملنا بمقتضى ما قاله أصدق القائلين: {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ} [الأعراف:199]، وحسبنا الله وكفى وسلام على عباده الذين اصطفى.

 [كتاب له عليه السلام  إلى بعض فضلاء إخوته]

وهذه نسخة كتاب كتبه عليه السلام  إلى بعض فضلاء إخوته، وكملاء ولاته، قال فيه بعد ذكر الحمد له والصلاة ما لفظه:

إنه لم يُبْلَ أحد بمثل ما بلي به رجل انتصب للأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وذب العباد عن طرق الفساد، ودعاهم إلى الهدى والرشاد، لأن دواعيهم إلى المقبحات متوفرة، وصوارفهم عن الطاعات حاضرة، والنفوس مجبولة على كراهة من صدها عن شهواتها ومراداتها، وجذبها إلى مكروهها وغيَّر عاداتها، والمحاول لذلك رجلان: أحدهما حاوله من طريق التلطف، والتدخل بالرفق، وليس له يد قهر، وهذا أمره على النفوس أهون، وتحاملها عليه أدون، والآخر بين رجلين ذي يد قاهرة فيقهر الناس على ما ذكر، ولا يستطيعون لأمره رداً، ولا محيص لهم عن الدخول في طاعته، ويتصرف فيهم كيف أحب، فهذا أمره على الناس شاق صعب، إلا أن عظم سطوته وقوة دولته وتقوي يده دمغهم، فينكتم ما في أنفسهم بالكلية ويؤول أمرهم إلى التحبب إليه وإظهار الاعتماد عليه، ولا يعالجونه إلا بالتقرب لديه، وإظهار طاعته، وأنهم منه وفي يده ويتمنون خفية أن يستريحوا منه وتمكنهم الفرصة من إهلاكه، ولا يظهر تحاملهم عليه إلا إذا لحقته نكبة، أو زالت دولته، فحينئذ يرى منهم في أمره العجب العجاب، وذي يد لا هي بالقاهرة جداً -بحيث أنه لا يد عليها- ولا معارض لها، ولا تخلو من حكمة وطرف شوكة، فهذا الذي يقع من الناس في الداء العضال لأنه جمع بين جذبهم إلى ما يكرهونه، وصدهم عما يألفونه، ومعالجتهم بالشدة مع عدم القهر الحقيقي الذي لا معارض له، فيظهر طغيانهم، وتكشف دفائنهم، وسوء أخلاقهم إليه، ويعودون بصريح السباب والذم والسب، ومحاولة النكاية، وابتغاء الغوائل، ومن كان هذه حاله وصفته فليس له من دفع بليته ومحنته إلا الفزع إلى الله، والتوكل عليه، والثقة بالله، والإلتجاء إلى الله، وإدَّرَاع الصبر، ولزوم ساحته، واستشعاره في كل أمر، والالتزام بعروته، وهذه حالتنا مع الناس، من غير زيادة ولا انتقاص، فإنا ما حظينا في حقهم بالقهر الحقيقي التام النافذ، ولا اقتصرنا على مجرد الدعاء برفق من غير شوب قهر، فليلنا من أجلهم سهر، ونهارنا من بليتهم فكر، ونحن لا نخلو من سفر بعد سفر، لا يستقر بنا قرار، ولا تطمئن بنا دار، ولا ننفك عن خصام وشجار، واغتمام وأكدار، ومن دخل في شيء من أمرنا وتولى شيئاً من التكاليف المتعلقة بنا، أخذ من محنتنا هذه بحصة، على قدر ما تولاه بكثرته وقلته، واهتدى من تولى أمره وغوايته، وإنك ممن عاين من أمر هذه الجهة التي تولاها ما عرفت من الخلائق المتنكرة، والطبائع المتغيرة، والنفار عن قبول الحق والهدى، والولوع بطرق الغي والغوى، فكان في مبتدأ الأمر مالا يعزب عنك من الإمتحان الكلي، والترقب لبطلان الأمر، والإشراف على الوقوع فيما يخاف، والمقاساة لعدم الإنصاف، فصبرت وصبرنا، وما تركنا ما نحن فيه ولا نفرنا، حتى أعان الله سبحانه بازدياد قوة شوكة الحق، وضعف قوى الباطل، وتسهل الأمر عليهم بالاستمرار، وثبوت العادة، وصارت الحكمة أقوى وأبين، والمعارضة أوهى وأدون، وحمدنا الله سبحانه على ذلك وشكرناه، وأمَّلناه زوال الشوائب ورجوناه، ولم نشعر حتى لاح لنا أن يدك لما استحكمت وتقوت، والمعارضة لك عدمت أو قلت، طمعت في الزيادة على هذه الحال، وأفرطت في التحكم على الرجال، وسلكت بهم في بعض الحوادث والأمور مسلكاً غير معتاد، وصرت في التشدد والتقوي عليهم في ازدياد، حتى عادت قلوبهم إلى النفار، وعرضت لهم عوارض الاستكبار، وكدنا نعود نحن وهم إلى الحالة الأولى، والطريقة التي ليست بمثلى، لا لسوء قصد منك، ولا لجور فيما حكمت به عليهم، ولا لإرادة إثارة محنة منهم، بل عنَّ لك أمران:

أحدهما: الرغبة الكلية في نفوذ أحكام الحق، ودمغ هام أولي العناد والشق.

الثاني: شفاء ما كان من الغيظ في المدة الماضية لتغلب العصاة وتمردهم، وما كانوا عليه من التمادي في النكر، وكثرة الأذى والهجر، ووثقت باستمرار ما قد فتح الله به من عدم المعارضة والمناقضة، وتمكن اليد وقوة القاعدة وطاعة الرعية.

183 / 331
ع
En
A+
A-