منها أنكم بسلامتكم ما صنتم الصديق، ولا رعيتم حقه الأكيد الوثيق، وكيف تكتبون وتصرحون بأن حالنا وحالكم واحد، وأن جهاتنا محترمة مصونة، ثم يتفق مثل هذا في حق أهل الوداد، وينتهك حرمة البلاد، ويتغلب على أقطار منها وأوتاد، ومنها أنه جرى بهذا خلف في الوعد، ونقض للعقد، وأنتم أحق الناس بالوفاء وأحراهم بحفظ الحقوق، ومجانبة العقوق، وحسن الصفاء، ومنها أنه عظم في أعينكم ما ليس بشيء ولا يعد شيئاً بالنظر إلى حالكم وبلادكم، وأمصاركم، وبواديكم، فإن معكم من الأقطار، والبوادي والأمصار، ما يجل عن الإنحصار، فوقع منكم الحد في هذه البلاد الضعيفة القليلة، إلى تلك الجهات الواسعة الجليلة، فكان الأمر كما ضرب به المثل في كريم الكتاب:{فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ} [ص:23]، ومنها أنكم أشمتم بذلك الأعادي، وأدخلتم به() المسرة إلى قلوبهم، فقد كانوا ظنوا اتحاد الحال، ونالهم من ذلك ما قد نال، فانكشف لهم أن البرق خُلَّب وأن السحاب كهام، وأنه كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماءً يسقي الأوام، وغير هذه المعاني وغيرها ممالا ينبغي فيه تطويل الكلام، فأنتم بحمد الله من أهل الحجور الراجحة والأفهام، وقد عولنا على بعض خواص الأشياع في الوفود عليكم، وتبليغ هذه الألوكة () إليكم، وأخذ الأمر من عين صافية، وطلب إجابة صريحة كافية، فإن يكن إلى بقاء المودة سبيل، ولكم على حسن الملائمة تعويل، أنجزتم الأمر، وجبرتم الصدور، وفعلتم ما يسر الصديق، ويسوء العدو على التحقيق، وإن يكن خلاف ذلكم عندكم أرجح، وسبيله أوضح، فلكم في ذلك حسن النظر، وما مثلكم من ينبه بطرق الحصى والحجر، والله سبحانه خير من أعان ونصر، وإليه المرجع ولديه المستقر، نسأل الله أن يصلح الأمر، ويدفع الشر، ويجمع الكلمة على التقوى، ويعصمنا جميعاً عن الأهواء، ويحسن المآل والعقبى، إنه ولي كل خير وموليه، ومعيد كل فضل ومبديه، وهو حسبنا وكفى، وسلام على عباده الذين اصطفى.
وكتب عليه السلام كتاباً إلى أهل الجهة الآنسية وهو هذا سنة 895 في أواخر شهر ربيع الأول:
نحمد الله على نعمه التي لا تحصى، وأياديه التي لا يبلغها عدد التراب والحصى، ونشكره على أن أغنى وأقنى وأدنى وما أقصى، ونصلي على رسوله الذي أسرى به من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، وعلى آله وعترته الذين أمر الله بودهم وأوصى.
وبعد: فهذه ألوكة سطرناها، ورسالة أصدرناها، إلى من بلغه وانتهت إليه، من أهل الجهات الآنسية، وما تليها وتتاخمها، من الأقطار الإمامية، سلام عليكم فإنا نحمد الله إليكم، ونثني عليه بما أولانا من نعمه، وخولنا من فضله وكرمه، ونوصيكم بتقوى الله وطاعته، والانتهاء عن محارمه ومراقبته، وأن تقيموا صلواتكم، وتؤدوا زكواتكم، وتذكروه صباحاً ومساءً وسائر أوقاتكم، وتقدموا صالحاً تجدوه بعد وفاتكم، فإن الله سبحانه لم يخلقكم عبثاً، ولا يترككم سدى، بل كلفكم التكاليف الشاقة، وحتم عليكم الامتثال ومد فوقكم رواقه، وألزمكم الانقياد لأوامره ونواهيه، وعقد عليكم نطاقه، وزهدكم في هذه الدنيا الفانية، التي لا تدوم لها صحبة، ولا يخلو أحد فيها عن نكبة، ورغبكم في الآخرة الباقية التي لا ينقطع نعيمها، ولا يظعن () مقيمها، فيا عجباه من هذه الغفلة، والاغترار مع قصر مدة المهلة، وفقكم الله للطاعة، وصانكم عن الإهمال لأمره وحقه والإضاعة، وجعل بضاعتكم التقوى فهي أشرف بضاعة، ثم أنكم من أعرف الناس بحقوق الأئمة، وما أوجب الله لهم من الإجابة والإعانة على الأمة، وقد أكدتم لنا ذلك بالعهود والمواثيق، وسلكتم في المتابعة والمشايعة في أوضح طريق، وبنيتم في أمرنا على قواعد التحقيق، وساقكم إلى محبتنا سائق الرشاد وقادكم قائد التوفيق، ولم تزل الدنيا حوادثها تتوالى، ولا زالت الليالي كما علمتم حبالى، وبلغ في هذا الأوان، ما حدث في نواحي ذمار، وكان وصار، من أهل البغي والطغيان، والجهل لما أوجب الله من حق إمام الزمان، من يبالغ في الفساد، ويسلك مسالك العناد، ويحاول تغيير البلاد، وتوجيه العناية في ذلك إلى ناحية هداد، والظاهر أنه بغير رضا من الشيخ ملك اليمن، وإن ذلك لهوى وغرض ممن له حقد على جانب الحق وإحن، وما أنتم رحمكم الله بمستضعفين في الأرض، ومدافعة البغي وأهله حتم عليكم وفرض، وقد ألزمناكم جميعاً الجهاد والاجتهاد في دفع أهل البغي والعناد، وإعانة الأمير الكبير الجواد، على ذلك المراد، والاستماع لما يرد به منا إليكم الفقيه الأكمل فلان الدين والانقياد، فقد استنهضناه للوصول إليكم وقراءة هذه الألوكة عليكم، وألزمناكم بتلقي ما يرد به إليكم بالقبول، وأن تقولوا: سمعنا وأطعنا ما يأمرنا به الإمام ويقول، وأن تصدقوا ذلك بالفعل الصالح الراجح المقبول، فإن ذلك واجب عليكم يقضي بوجوبه المعقول والمنقول، وكيف ترتضون أن ينبسط عليكم من يرغم الأنوف ويهين، ويخشن المقالة ولا يلين، ويليكم غير الإمام الأمين؟ وستصبحون إن رضيتم بذلك من النادمين، وفقكم الله وأعانكم، فهو خير موفق ومعين، وصلى الله على سيدنا محمد وآله الطاهرين، والحمد لله رب العالمين.
إنتهت الرسالة وهي من مختصرات رسائله المحبرة، الجامعة للمعاني المحررة، وإنشاؤها هي والرسالة الأولى بفلله.
وكتب عليه السلام كتاباً وجَّهَه إلى مدينة خمر بجهة الظاهر، وذلك أن أهل خمر ونواحيه صاروا ممن انتظم في زمرة أتباع الحق، ومال عن ذوي الابتداع من الخلق، الخائضين للجج البغي والشق، فلا أحد أظلم منهم وأعق، ثم أنه تألب البغاة الطغاة من دولتي صنعاء وصعدة، وقصدوا حرب خمر بجنود عظيمة، فأمدهم الإمام عليه السلام بكتائب من أحزاب الحق وأجناده، فأمدهم الله بتأييده وحسن مواده، فقتل من جنود البغي من قتل، وهم نفر كثير، ولم يحظ البغاة مما راموه باليسير، فحينئذ أرسل الإمام بهذا الكتاب إليهم، ليشجعهم على قتال ذوي العناد، ويرغبهم في فضيلة المصابرة والجهاد، وكان رقمه له على أوفاز () ولكنه عليه السلام ممن اختص بالكمال وفاز، ووجه به من كحلان في أواخر جمادي الأولى من السنة المذكورة آنفاً.
قال بعد البسملة ما لفظه: لعبد الله الهادي إلى الحق أمير المؤمنين، كتابنا هذا إلى جند الحق وحزبه، وأنصار الإمام وصحبه المجتمعين بمدينة خمر المحروسة، وجهته التي صارت بأتباع الحق مأنوسة، من الأمراء الكبراء الأمجاد، والمشائخ العظماء الأجواد، والأشياع الخلصاء الأوداد، ومن انضم إليهم من سائر الأجناد، سلام عليكم، فإنا نحمد الله إليكم، على أن جعلنا وإياكم حماة للدين، وحبانا بفضيلة الجهاد للباغين والمعتدين، ووفقنا للذب عن المحارم، وإرغام أنوف أولي الجرائم، ونوصيكم بتقوى الله سبحانه وتعالى، فإنها أنفع الوسائل، وأمنع المعاقل، من أَمَّها فاز وسلم، ومن حرمها أمنار وندم، وإنها حرز من الهلكات، وكنز في المحيا والممات.
ثم أن الله سبحانه قد وفقكم لأداء فريضة الجهاد، وهي الفضيلة الكبرى، والقربة العظمى، فإن الجهاد أفضل أنواع البر والرشاد، وأنه سبب انتشار الإسلام في البلاد، وأن ثواب الجهاد فوق ما يُطْلَب يراد، قال الله سبحانه: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هلْ أدُلُّكُم على تِجَارةٍ تُنْجِيكُم مِنْ عذابٍ ألِيْمٍ تُؤمِنُوْنَ بِاللهِ ورَسُولِهِ وتُجَاهِدُوْنَ فِي سَبِيْلِ اللهِ بِأموالِكُمْ وأنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لكُم إنْ كُنْتُمْ تَعْلمُونَ يَغْفِرْ لَكُم ذُنُوبَكُمْ ويُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْري من تحتها الأنهارُ ومسَاكن طيبة في جناتِ عَدْنٍ ذلك الفَوْزُ العظيمُ وأُخْرى تُحبُِّونَها نَصْرٌ مِنَ اللهِ وفَتْحٌ قَرِيْبٌ وبَشِّرِ الْمُؤْمِنِيْنَ} [الصف:10-13]، وقال نبيكم صلى الله عليه وآله وسلم : ((مقام الرجل في الصف في سبيل الله خير من عبادة ستين سنة)) ()، وقال صلى الله عليه وآله وسلم : ((الجهاد باب من أبواب الجنة ينجي الله به من الهم والغم)) ()، وقال صلى الله عليه وآله وسلم : ((مثل المجاهد في سبيل الله كمثل الصائم نهاره القائم ليله حتى يرجع)) ()، وقال صلى الله عليه وآله وسلم : ((من قاتل في سبيل الله فواق ناقة وجبت له الجنة، ومن جرح جرحاً في سبيل الله أو نكب نكبة فإنها تجي يوم القيامة كأغزر ما كانت، لونها لون الزعفران، وريحها المسك)) ()، وقال صلى الله عليه وآله وسلم : ((إن مقام أحدكم في سبيل الله أفضل من صلاته في بيته سبعين عاماً ألا تحبون أن يغفر الله لكم ويدخكم الجنة اغزوا في سبيل الله، من قاتل في سبيل الله فواق ناقة وجبت له الجنة)) () فانظروا أرشدكم الله في هذا الفضل الكبير والخير الكثير، واعتبروا فأنتم من أهل الإعتبار، وأحسنوا النية وأخلصوها للواحد القهار، فإن الأعمال بالنيات، وإنما لكل أمرء ما نوى، واصبروا فإن الله مع الصابرين، وانتظروا النصر فإن الله خير الناصرين، وثقوا بحسن العاقبة فإن العاقبة للمتقين، وأيقنوا ببطلان أعمال البغاة وكيدهم فإن الله لا يصلح عمل المفسدين، ولا يهدي كيد الخائنين، وبلغنا أنه قد يدرككم طرف من الفشل، فنعوذ بالله من ضياع العمل، وخيبة الأمل، وكيف ترضون لأنفسكم أن تفشلوا، وأنتم على الحق الواضح، والجهاد النافع الصالح، والمتجر العظيم الرابح، الذي هو أبلغ من جهاد الكفار، بنص كثير من الأئمة الكبار، وأنتم في منعة وقرار، وعلى حال قار، سالمون من النصب والوصب، وخالصون عن العطش والسغب، وهؤلاء البغاة صابرون، متألبون، متناصرون، متظاهرون، وهم على شر حال وأقبح مآل ينالهم التعب والسغب، ويتوقعون سوء المنقلب، ويعانون الشدائد، ويتربصون المكائد، ويحسبون كل صيحة عليهم، ويظنون وصول الإنتقام العاجل والآجل إليهم، أفترضون أن يكونوا وهم على الباطل وأنتم على الحق، وهم في سبيل البغي والعناد، وأنتم في سبيل الهدى والرشاد والسداد، وقتلاهم في النار، وقتلاكم في الجنة، وهم على رأي الشيطان، وأنتم على الكتاب والسنة، أترضون أن يكونوا أصبر منكم وأجلد، وأظفر منكم بمرادهم وأسعد، حاش لله، وكلا، فإنكم بالخير والسعادة أحرى وأولى فاصبروا كما أمركم الله به، وصابروا فإن الله مع الصابرين، وأحسنوا فإن الله يحب المحسنين، ولا تنقلبوا على أعقابكم فتصبحوا خاسرين، كما قال نبيكم الصادق الأمين: ((ثلاثة لا ينفع معهن عمل: الشرك بالله وعقوق الوالدين، والفرار من الزحف)) () وأوضح من ذلك وأصرح قول رب العالمين في كتابه المستبين: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيْتُم فِئةً فَاثْبُتُوا واذْكُرُوا اللهَ كَثِيْراً لعلَّكُم تُفْلِحُونَ، وأطيعوا اللهَ ورَسُولَهُ ولا تنازَعُوا فَتَفْشَلُوا وتَذْهَبَ رِيْحُكُم واصْبِرُوا إنَّ اللهَ مَعَ الصَّابرين} [الأنفال: 45، 46]، وقال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفاً فلا تُوَلُّوهُمُ الأدبارَ ومَنْ يُوَلِّهِمْ يَومَئِذٍ دُبُرَهُ إلاَّ مُتَحَرِّفَاً لِقِتالٍ أومُتَحَيِّزاً إلى فِئةٍ فقَدْ بَاءَ بِغَضبٍ مِنَ اللهِ ومَأوَاهُ جَهنَّمُ وبِئْسَ الْمَصِيْرُ} [الأنفال:15، 16]، والآيات والأخبار في هذا المعنى ليس لها انحصار.
ثم إنا غير غافلين عنكم ولا مهملين لأمركم، وجنود الله وجنود كتابه تمدكم، وأبشروا بالنصر من ربكم، اللهم وفقهم، وثبت أقدامهم، وانصرهم، وأعنهم، وأنزل عليهم السكينة القاضية بالأمَنَة، وأوقع في أفئدتهم الطمأنينة، وضاعف لهم كل حسنة، وفرق جنود البغاة تفريقاً، ومزق جيوشهم تمزيقاً، وعَوِّقْهم عن كل خير تعويقاً، ولا تفتح لهم إلى شيء من آمالهم طريقاً، وحسبنا الله ونعم الوكيل، ونعم المولى ونعم النصير.
ومن كتاب له عليه السلام إلى بعض عماله، وقد رفع إليه أن من الشيعة الذين لديه من يتجرم ويتبرم، ويظهر الغضب لغير سبب، فقال عليه السلام مجيباً: ذكرت بسلامتك تغيظ الأصحاب علينا، وتجرمهم، وما وقع بينهم من الاتفاق والمراجعة والكتابة إليه، ومن ذلك كله العجب، أما تغيظهم علينا، فلا نعلم له سبباً ولا موجباً، ولا نعلم أن منهم من وقعت إليه إساءة، بل أقمنا حقوقهم وأسقطنا عنهم حقوقنا، فما منهم من يتعب نفسه في مسايرة، ولا جهاد، ولا زيارة، ولا كتابه، ولا قضاء حاجة قط، وما منهم من نقصناه مما يعتاده في الزمن الأول، بل ما منهم إلا من قد ازداد ثم أنه إن صدر إليهم من جانبنا أمر، فاللائق منهم المراجعة لنا والإخبار بما في أنفسهم مكاتبة أو مشافهة، ولا معنى لكتابتهم إليك، لأنك إن كنت فعلت ما أمرناك به فلا لوم عليك، ولا جناية منك، ولا مثلهم من يسومك فعل ما أرادوه، وترك ما أردناه، وإن كنت فعلت شيئاً لم نأمرك به فالعلاج السهل أن ينبهونا على ذلك، وينهوه إلينا، وكلامنا عندك أقطع وأوقع، وليس ثم إلا أحد أمرين لا ثالث لهما، إما أن الإمامة ثابتة عندهم، وقاعدتها مستقيمة، فما للمأموم إلا ما طابت به نفس الإمام، ويجب عليه الطاعة رضي أم كره فيما وافقه وفيما لم يوافقه، وما منهم من يجهل حق الإمام، وإن كانت القاعدة عندهم منتفية، فالكلام مطوي من أصله، ولا معنى للتعتب والتجرم، وليعلم حفظه الله، أنه ما من أحد من الأقارب والأجانب، وأهل التمييز وغيرهم، إلا ويخطر بباله الخروج والبغي علينا، والمباينة والنكاية لنا، لا سيما من أعجب بنفسه، واعتقد إمكان الأمر له، إذا لم يبلغ معهم إلى حد يرضيهم ويقنعهم، لكن من الناس من له دين وقاعدة راسخة فيه، فيرده دينه، ومنهم من له عقل وافر فيعرف بعقله أن عاقبة ذلك عليه لا له، فيترك نظراً لنفسه في الأصلح في دنياه، ومنهم من يستحي فيحمله الحياء على ترك ذلك، وإن لم يرده دين ولا حسن تدبير، ومنهم من يعدم هذه الأمور كلها، ويظهر ما في نفسه فينتبه من نومته بعد، ويعرف أنه ما جنى إلا على نفسه، وأن الذي رامه وقع في عكسه، لأن كلمة الله هي العلياء، والإمامة غالبة غير مغلوبة، والقبائل والعوام بين رجلين صاحب تدين وخيفة لله فلن يؤثر على الإمام غيره، وتحرجه في جانب الإمام أكثر من تحرجه في حق غيره، وصاحب دنيا فهو يجدها عند الإمام ويلقى لديه مالا يجده عند غيره، والإمام أقدر على ضرر من يناويه منه على ضرر الإمام، وكل ضرر يتفق من المأموم وإن عظم فلا ينقص الإمام غالباً في دينه ولا دنياه، ولا تفويت زكاة بلدة أو ناحية أو قطر يخل بشيء من أحوال الإمام، وكل ضرر يتفق من جانب الإمام إلى المأموم يضعه ويخل به، وما نعلم أن إمامةً بطلت بسبب خروج خارج عنها ونازع ليده عن طاعتها، ولا نعلم أن رئاسةً تمت لمناوءٍ للإمام ومباين له، بل لا بد أن يضمحل أمره ويتناقص قدره، ولا يخلو عن شاتم ولائم في الحياة والوفاة، والأصحاب الذين ذكرتهم نعيذهم بالله أن يتعرضوا لخسران الدنيا والآخرة، ونعتقد أنهم ممن يجمع بين العقل الراجح، والدين الصالح، والحياء الواضح، والسلام.