فـانـظـروا
بـعـدنـا إلـى الآثار
فمنها هذا الكتاب كتبه إلى بعض علماء صنعاء
قال فيه بعد حذف ترجمته ما لفظه: وبعد؛ فورد كتابه الكريم، وخطابه الوسيم، ومما ذكره مما ربما يبلغ عنه من الأقوال التي ليست بمعجبة، والأحوال الغير المناسبة، وصرح به من إنكار ذلك، وأنه لا يسلك تلك المسالك، فالذي ذكره هو اللائق بمعرفته، وهو مصدق فيه، فالمؤمن من صفاته الصدق والتصديق، وهو المنهج الذي ينبغي أن يمشي فيه أهل التحقيق، ولا كلام أنه قد نُقل ما نُقل، وقيل ما قيل، ولسنا ممن يصغي إلى القال والقيل، وإنما عتبنا في أمر مقطوع به، غير مشكوك فيه، وهو الإضراب عنا، والإغراب منا، وإنك بسلامتك سلكت مسلك من يجعل الإمام نسياً منسياً، ولا يعتقد أن له حقاً شرعياً، فلا مكاتبة ولا مراسلة، ولا مزاورة ولا مواصلة، ولا دعاء إلى جانب الإمام، ولا قيام بشيء من حقه ولا اهتمام، ولا ذب عنه لمن يلسعه بحمة الملام، ويجتري في حقه على قبيح الكلام، فإن كان هذا شرع الله، والذي افترضه على المسلمين في حق الإمامة والإمام، فلا ثمرة حينئذ لها، ولا معول عليها، إذا كان الإمام يدعو ويقوم بهذا الأمر، ولا واجب له على أحد من المسلمين، فما أشبهه بما يقوله العامة، وتضرب به المثل، وهو صارخ في قفر، وإن كان يجب له الموازرة والمناصرة، وحسن المظاهرة، فما نعلم لك بسلامتك عذراً عن ذلك، وكونك من أهل المعرفة يتأكد به الحق عليك، وتقوم به الحجة، وقد كان للسلف الصالحين والعلماء الراشدين من الاجتهاد مع الأئمة مالا يخفى، من ذلك سعي حي الأمير الكبير شيخ آل رسول الله شمس الدين () في الدعاء إلى الإمام المنصور حتى ورمت قدماه، وكان كبير السن جليل القدر، كمالا يخفى حاله على مميز، والفقيه حميد الشهيد سعى مع حي الإمام أحمد بن الحسين، حتى ذهب قتلاً، وكم نعد من هذا الجنس فإنه مالا يأتي عليه الحصر، والملة واحدة، والمذهب واحد، والآخر يقفو أثر الأول، وما ذكرته من كون قطع السبب الذي قد كان أجري، لا يمنع من القصد إلى الحق، فنعم القول ما قلته، إذا صدقه الفعل ()، وهكذا ليس يتغير حال الإنسان مع الإعطاء والمنع إلا إذا كان من المقتفين لآثار المنافقين الموصوفين بذلك في القرآن المبين، وما ذكرته من أنه منعك من شيء تستحقه فالمنصف الله، فهذا كلام لا شك في صوابه، إذا بقي على ظاهره، فإما أن قصدت به الاستنصاف منا، ورمزت به إلى أن لك حقاً علينا، مما حققت بسلامتك النظر، وكيف تدعي ثبوت حقك علينا وأنت مسقط لحقوقنا، فلك عدَّة من السنين ما علمنا أنك سمحت لنا بكتاب، أو ذكرتنا كما يذكر من غاب، وما وجه الاستحقاق وأنت في جهة لا تنفذ لنا فيها أوامر، ولا تجبى إلينا منها الحقوق موفرة، ولا لك فيها سعي يتعلق بنا، ولا نقبض نحن زكواتها فنضعها في فقرائها، وإن صار إلينا منها شيء فليس عشر العشر من العشير، ولا تتعلق به حصة مسكين ولا فقير، ثم أنَّا لو كانت الحقوق تجبى إلينا، وترد من كل قطر علينا، فقد صرح الأئمة الأعلام -كالمنصور بالله عليه السلام - أنه لاحق على الإمام لمن تهاون بأمره، وتغافل عن إعانته ونصره، ولست بالموجب حقاً لمن لا يوجب الحق على نفسه، ثم إنك ختمت كتابك بالاستغفار والاعتذار، فأحسنت وأصبت، وذلك منك مقبول، وأنت الآن على أحسن الوجوه عندنا محمول، ونحن نختم الجواب بأن نقول لك هنا ما تطيب به نفسك، ويجتلب به إنسك، وقد صرنا على عزم الحركة المباركة إلى جهتنا اليمنية، فمتى صرنا إليها وصلت إليها أو بدا باديك علينا، وما خاب لك أمل، ولا ضاع لك عمل، إن شاء الله بعد السلام، والدعاء مستمد، وصلى الله على محمد وآله وسلم.
تم ذلك.
قال كاتب الرسالة: والعجب منه عليه السلام فإنه كتب هذا الكتاب في حال المحاضرة وعدم الفراغ، وهذه شنشنة () في كتبه ورسائله أنه لا يكاد يكتبها إلا على أو فاز لكنه ممن بالقدح المعلى في البلاغة فاز، ولأنواع الكمال حاز، والحمد لله تعالى.
وكتب كتاباً إلى عبد الوهاب بن داود بن طاهر سلطان اليمن في وقته، وهو هذا:
سلام الله السامية قبابه، الهامية ربابه، القوية أطنابه، المثبتة أسبابه، يعقد نطاقه، ويمد رواقه، على الشيخ الأجل الأكرم، المقام الأعظم، سلطان اليمن، وعمدة ملوك الزمن، عفيف الدنيا والدين، المتحلي من تيجان الرئاسة وجواهر عقود السياسة بكل ما يزين، والله تعالى يسبغ عليه سرابيل نعمه، ويجري عليه ينابيع جوده وكرمه، ويزيده من فضله، ويزين الأيام والأعوام بطيب سيرته وعدله.
وبعد: فصدور هذا في شهر ربيع الأول من هذا العام عام تسعين وثمانمائة، والأحوال بحمد الله مقرونة بالصلاح، والأعمال بتوفيق الله مؤذنةٌ بنجاح، بنيل الأرباح، والآمال، -إن شاء الله- مشفوعة بالنجاح، والآلاء من عند الله صيبة الأمزان بالمساء والصباح، والأنباء المستطابة من لدينا يُغْدَى بها ويراح، ويهتز النائي لسماعها ويرتاح، مُعَرِّفة للمقام أمده الله بتأييد التوفيق المستدام، وبلغ في مساعيه ما يأمله الصالحون على الوفاء والتمام، بأن كتبه الكريمة انتهت إلينا، وأن طروسه العظيمة وردت علينا، فأرَّجَتِ الأندية بحسن نشرها، وعطرَّت المجالس بطيب عطرها، وراعت الأسماع بجواهر ألفاظها ودررها، وفاقت في المناظر بوسيم روضها وزهرها، قاضية بأن حبل الوداد متين، نافية لزعم من يدعي أنه مقطوع الوتين، عاقدة بحصول الوفاء الذي يجمل بمقامك ويزين، واعدةٌ بتجنب ما يستهجن من المعاملة في حقنا ويشين، خلا أن كتبكم كلما أطمعت في الوصال، والاستمرار للمودة والاتصال، آيست من ذلك وقضت بالانفصال، أفعالُ من يتعلق بكم من السفهاء وينسب الأفعال، ونحن في مسطورنا هذا نوضح الكلام، ونحسر عما في النفس اللثام، ونودع الكتاب نبذة لطيفة من العتاب، فإنه صقال للأفئدة، وإبرام لأمراس المودة المؤكدة، قد عرفتم حفظكم الله ما كان من قيامنا لله، ودعوتنا إلى الله، فكانت بحمد الله دعوة محمودة مجابة غير مردودة، وتوجه بذلك الحق لنا على المسلمين كافة، وصارت لوازم أمره بالمكلفين حافة، يستوي في ذلك السوقة والملوك، والغني والصعلوك، كما يقضي بذلك الشرع الشريف، وأدلة الدين الحنيف، وكان من أهل الرئاسة في نواحينا، ومن يتاخمنا منهم ويلينا، أن حسدونا ارتقاء هذه الدرجة الرفيعة، وعظم عليهم إمتطاء كاهل تلك الرتبة المنيعة، فنصبوا لنا العداوة، وعاملونا بالنَبْوة () والقساوة، ولما انتهت إليكم دعوتنا وبلغتكم كتبنا واهابتنا، تلقيتم ذلك بالأخلاق الكريمة، وعادت إلينا أجوبتكم الوسيمة، ولم تنقطع عنا صلتكم ومواصلتكم الحميدة غير الذميمة، فحمدنا الله على ذلك، وشكرنا لكم سلوك تلك المسالك، ورجونا أن ينتعش بمناصرتكم جواد الحق، وأن تمطر غمامة الإمامة على كثير من الخلق، وأن ينال بكم الأمل في الانتقام من البغاة، ويبلغ بإعانتكم ما يراد من إرغام أنوف الغواة، وكلما انبسطت أيديكم في الجهات الدانية القريبة، وانتهى إلينا بلوغ كل جند من أجنادكم إليها وكتيبة، ازدادت الآمال تقوياً، واستأنست القلوب ترجياً، لنيل المطلوب وتمنياً، ثقةً منكم بشدة المقة () ، وبما تقدم من المواعيد الصادقة، فلم تكن بأسرع من أن ظهر الانعكاس، وتأكد ذلك حتى أشرفنا على الأياس، وكان أول ما بدأ به من ينتمي إليكم، ويعتمد في صولاته عليكم، استئصال قطر من الجهات الإمامية والتغلب عليه، ثم قصد قطراً آخر وتوجيه الكتائب إليه، وكان من فلان ما كان، وسارت به الركبان، من توجيه الغزوات إليها والحروب، وأخذ مصالح لنا فيها وحبوب، فقطعنا وقطع الناس، بأنه لا بد أن يجبر الانتقاص، وينتكس المتعدي على الرأس، كما يعتاد بين أهل الوداد، ونفعله نحن لو وقع ممن في جانبنا في جهاتكم فساد () ، فقد حاول بعض من يتعلق بنا غزو كثير من الجهات التهامية فمنعناه، وحاول البعض غير ذلك فقصرناه، ولو حدثت هفوة أو وقع تغيير لخبرناه، والله شاهد على أن ذلك مما أضمرناه، ثم أنا زدنا الأمر تأكيداً بأن كتبنا إليكم كتاباً بعد كتاب، ووجهنا إليكم بريداً ثم بريداً، فألغيتم تلك المعاني، وعدتم إلى حديث ثاني، وقلتم بسلامتكم نعمل على ما كان في زمن الإمام الأول، ولا يكن لنا على ما استفتحناه من غير ذلك معوَّل، ولأي سبب أو موجب اعتبار حال الأموات، دون حالي للحي ظاهرة الثبات، وبسط أيديكم على جهات استفتحناها، وهي حينئذ لا تعلق لكم بها ولا أمل فيها، وصارت بأيدينا منذ عام دعوتنا إلى وقتنا هذا، ثم إن هذا الذي ذكرتم بسلامتكم لم يتم ولا ينتظم بل تقدم بلوغ كتابكم، وتعقبه قصد الجهات الإمامية، التي كانت في الزمن القديم متوكلية، فما أفاد ما رقمتموه ولا نجز ما وعدتموه، وأما خطوطكم القديمة التي بأيدينا، وكتبكم الوسيمة المحفوظة لدينا، ففيها التصريح الصريح بأن جهاتنا كلها عن التغيير مصونة محمية، وأن معاملتكم لنا في بلادنا بأجمعها مرضية، فكان في هذه الأمور الحادثة عبرة للمعتبر، وخبرة لمن لم يكن بمختبر، وجمع ذلك بين وجوه من الشناعة نحن نشرحها لكم، وهي لا تخلو عن أذهانكم.