|
إذا لـم يكـن لـلمرء عين صحيحة |
فـلا غـرو أن يـرتاب والصبـح مسفر
وقد تمت الفصول، الثابتة الأصول، ويحصل من الهداية لمريدها أبلغ محصول، فمن سلم من العناد سلك سبيل الرشاد، ومن غلب عليه شيطانه، وخفى عليه مقر الحق ومكانه، كان عليه وبال أمره، ونحن بحمد الله في غنية عن نفعه وأمن من ضره، فإنا لم نقم إلا والإخلاص لله قرين أعمالنا، والنصر من عند الله منتهى آمالنا، وليس لنا على غير الله ارتكان، وحسبنا الله وكفى ونعم المستعان.
لا يجد المعاند إلى دفع ما حَوْتُه سبيلاً، ولا يورد في رد ما اشتملت عليه شبهة ولا دليلاً، وهي تشتمل على نوعين أحدهما: أن المقصود من الإمامة لما كان حصول ما شرعت له من تنفيذ الأحكام، وتمييز الحلال من الحرام، وغير ذلك من الصلاح العام، كإقامة الحدود، وتجنيد الجنود، وإظهار شعار الإسلام، وتولية القضاة والحكام، فنحن إذا فرضنا داعياً دعا، فما أجابه من يتم به مراده ولا وفا، فالذي يدعيه ساقط، ويصير لعدم الإجابة كمختل الشرائط، ولما دعا من قبلنا لم يلب دعوته أحد من الألباء، واعتمد على مجانبته الأديان النجباء، ولم تُنفِّذ أحكامه، ولا رعفت بمصلحة أقلامه، ولا عبرة بإجابة شذوذ لا تجدي إجابتهم، ولا تنجع إعانتهم، فليس الغرض يتم بهم، ولا يحصل بمشايعتهم، فلينظر أهل الأفكار المنورة، والأنظار المحررة، فيمن تقدمت دعواه، وتأخرت دعوته من الذي حصلت إجابته وتلبيته، فقد تقدم من تقدم، فما حل ولا أبرم، ولا ضر ولا نفع، ولا فرق ولا جمع، مع توالي الليالي والأيام، وبلوغ دعواه إلى جميع الأنام، بل أظهر الناس الكراهة للإئتمام، ولقد ورد فيمن أمَّ بقوم وهم له كارهون في الصلاة ما ورد ، فكيف بالإمامة الكبرى مع عظم حالها، وتولي أزمة الحل والعقد وإلزام الطاعة في الأمور الشاقة من الجهاد، وسائر أنواع الاجتهاد؟ فليست إمامة الصلاة فيما يرجع إلى المؤتمين من التصرف عليهم يوازن شيئاً من تصرفات الإمامة الكبرى، فإن كان الداخل في الإمامة الصغرى مع الكراهة له آثماً، فأولى وأحرى في الكبرى، وقد منعنا من قياس البكرية لخلافة أبي بكر على إمامته في الصلاة، وقلنا للإمامة الكبرى شأن عظيم وخطر جسيم، فلا أقل هاهنا من أن يجعل حكم الكبرى كالصغرى في إثم من تولى أمرها مع الكراهة له.
ونحنْ لما قُمْنا لله، ودعونا الخلق إلى طاعة الله، لم يصدر ذلك منا إلا مع حضور أنصار وأي أنصار، وفضلاء ليس لعددهم إنحصار، وعهود ممن غاب عنا من أهل البوادي والأمصار، وإظهار رغبة ومحبة عظيمة بقيامنا من الغائبين والحضار، ثم لما دعونا بين الصلاتين من نهار، لم يكن يأتي ذلك اليوم المعهود إلا وقد وفدت الوفود، واجتمع الشاهد والمشهود، ولم نزل منذ تلك الساعة نميت بدعة ونحيي طاعة، وتجتمع بأيدينا الأموال ونحن نخرجها ونصرفها في ذوي الإقلال، ونطعم الطعام، ونتعهد الأرامل والأيتام، ونبلغ سائلنا وآملنا المرام، والناس يدخلون في الطاعة أفواجاً ويردون إلى بابنا أفراداً وأزواجاً، فنتحكم عليهم في طاعة الله، ونبايعهم على إقامة ما شرع الله، ونرفع العوائد المستفيضة، ونؤسس الفوائد المستصلحة، وهم محبون مطيعون، مجيبون مستمعون، فوق ما تخيله الأوهام وتعلق به الظنون، ومن غاب فالأخبار تنمى إليه، ويرد بها من لم يزوده عليه، وكفى بالموقف المحمود والمقام المشهود الذي لا تبلغه الظنون والوهوم، الواقع بنواحي بلاد الأهنوم، فإنا لما انتهينا إلى تلك الجهات، أهرع إلينا العلماء والفضلاء والأثبات، وبلغ عددهم مئات، لم يزالوا في تنقيرهم وبحثهم واجتهادهم في فهم كمالنا، يوردون علينا غوامض المسائل في الفنون، ويفحصون عن جمعنا لشرائط الإمامة ويجهدون، حتى علموا أن محلنا في ذلك هو المحل الأعلى، وأنَّ قَدَحَنا هُو القدح القاهر المعلى، فحينئذ ازدحموا على بيعتنا، وانخرطوا في سلك شيعتنا، وساروا بين أيدينا، وأظهروا ما اطلعوا عليه فينا، وصاحوا بصحة إمامتنا، وبطلان أولي معارضتنا من الأسواق، وكتبوا بذلك الأوراق إلى جميع الآفاق، وهم أفضل علماء الزيدية بالاتفاق، الذين لا يشق() لهم غبار في الفضل والعلم، ولا يعلم لهم مدانٍ في الفهم والحلم، والمعارض حينئذ بالقرب منا ومنهم، فلم يلتفتوا ولا عولوا عليه، بعد أن حكمهم وكاتبهم، وراجعهم في شأنه وخاطبهم، فشهدوا عليه أنه على الباطل، وأن جيده عن حلي شروط الإمامة عاطل، ولم يسمع أنه كان في شأن أحد من الأئمة عليهم السلام مثل ذلك المقام، والإجماع من غير اختلاف، والاهتمام مع الإئتلاف، ثم تمت الإجابة واستطالت، وقدم البقية من العلماء والمتعلمين وانتالت، يمرون أيديهم للمبايعة، ولا يتأخرون عن المشايعة، وصرنا نجوب البلاد شرقاً وغرباً، وننتقل من حال إلى حال بعداً وقربا، والأمة يدخلون في الطاعة قبيلاً قبيلاً، وجيلاً منهم يقفو جيلاً، بحيث أنا لم نحتج إلى إراقة دم، ولا رمي بحجر ولا سهم.
فالحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وتعم البركات، ونسأله المزيد من نعمه وإفاضة سجال فضله وكرمه، وكفاية مرهوب سخطه ونقمه.
النوع الثاني: لا شك أن أهل كل جهة من الجهات أخص بمن فيها، وأعرف بخصائصه وأكثر اطلاعاً على ظواهر أحواله وبواطنها، ممن نأت داره وشط مزاره، ولم تبلغه إلا الأخبار، على ألسنة السفار، ولا شك أيضاً أن كل جهة لا تخلو بحمد الله عن ذوي فضل ودين، وصلاح ويقين، وهذان أصلان لا يحسن دفعهما، ولا يمكن منعهما، فنقول: ينظر الناظرون في حالنا وحال من عارضنا بهذا الاعتبار المذكور الواضح، ليظهر الصالح من الطالح، فنحن لا نعلم واحداً من أهل جهاتنا وما يليها وممن قد عرفنا وخبرنا نآى عنا وقدح فينا، بل قائلون موالون، مطيعون سامعون، يثنون خيراً ويمدحون، ويشهدون بالكمال ويمجدون، والمعارض له جهات شتى، منها منشؤه، ومنها موضع تدريسه، ودار إقامته بعض عمره، ومنها البلدة التي خرج منها بعد أن استقر فيها واستوطنها، ولا نعلم واحداً من أهل هذه الجهات قال به أو اعتزى إليه أو عوَّل عليه، بل جميعهم نافرون نافون، مصرحون بمثالبه متفوهون على كثرة فضلائهم وعلمائهم، ونبلائهم وحكمائهم، فاعتبروا يا أولي الأبصار، جعلنا الله جميعاً من أهل الاعتبار وعدم الاغترار، والحمد لله آناء الليل وأطراف النهار، والصلاة والسلام على محمد المختار، وآله الأطهار، تم ذلك بحمد الله ومنه وكرامته.