غير خاف أنَّ التوبة تلاف لما فرط من التائب وسلف منه من المعاصي والمثالب، فينبغي أن يكون التلافي على أبلغ وجه يمكن أن يقع عليه، وهو أن يندم غاية الندم على ما سبق منه وتقدم، ويعزم في المستقبل على أن لا يعود إلى شيء من جنس ما ندم عليه، ويكون ذلك خالصاً لوجه الله تعالى، وموجباً لزوال سخطه وحصول رضاه، قال الله سبحانه:{ياأيُّهَا الَّذِيْنَ آمنُوا تُوبُوا إلى اللهِ تَوْبَةً نَصُوحا} [التحريم:8]، والمراد متداركة للفرطات ماحية للسيئات، ومن التدارك اللازم الدال على أن التائب على الحقيقة نادم أن يخرج الظالم عن المظالم، ويتقصَّي عن الجنايات والجرائم، لا يقصد سمعة ولا رياء، ولا نيل عرض الحياة الدنيا، ولا تمام أرب يحاوله، ولا نجح مرام يزاوله، عن علي عليه السلام أنه سمع أعرابياً يقول: اللهم إني أستغفرك وأتوب إليك، فقال: ((يا هذا إن سرعة اللسان بالتوبة توبة الكذابين، قال: فما التوبة؟ قال يجمعها ستة أشياء:على الماضي من الذنوب الندامة، وللفرائض الإعادة، ورد المظالم واستحلال الخصوم، وأن تعزم على أن لا تعود وأن تذيب نفسك في طاعة الله كما ربيتها في المعصية، وأن تذيقها مرارة الطاعات كما أذقتها حلاوة المعاصي)، فتكون توبة من أراد أمراً يناله فصد عنه بأن وصفت بالقبح أفعاله، فحمله الإشفاق على تمام ما رام على أن يظهر التوبة عن المعاصي والآثام، وهل يدرج ذلك على أريب أو يلتبس في نظر اليقظ اللبيب، ولقد وقفنا على كتاب فيه أن هذا المشار إليه لما كاتب بعض الكبراء والتمس منه الإجابة، أجاب عليه: بأنك كنت على مالا يرتضى، فلو أنك أظهرت التوبة عما سلف منك لعل ذلك يكون سبباً في حصول مرامك، وكأن ذلك أتى يعترف بما كان يقترف ليبطل دعواه، ويقل جدواه، فلم يكن بأسرع من رده للجواب بإظهار المتاب، فيا للعجب العجاب من هذه التوبة التي قُصِدَ بها تحصيل الإجابة لا الإنابة، وكانت باللسان والقلم لا بالجنان والندم، هل مثل ذلك إلا معتبه لا منقبة، ومخزية لا مرضية، فإن إظهار الطاعة لا لوجه الله أخسر بضاعة، {أفمَنْ يَهْدِي إلى الْحَقِّ أحَقُّ أنْ يُتَّبَعَ أمَّنْ لا يَهِدِّي إلاَّ أنْ يُهْدَى فمَا لَكُمْ كَيفَ تَحْكُمُونَ} [يونس:35] سلَّمنا أن هذه التوبة التي ظهرت لنا لا نعلم ولا يغلب على ظننا أنها غير خالصة لله، ولا قصد بها رضاه، بل توبة لا يعلم قصد ولا سر غايتها، أليست الإمامة محتاجة إلى العدالة المحققة، وكل من سقطت عدالته فلا بد من الخبرة له بعد التوبة اتفاقاً فيمن كان ذلك حاله قبل الدعوة، واختباراً فيمن عرض له سقوط العدالة بعد ثبوت الإمامة، وإذا كان رجل معروف بعدم العدالة ثم تاب وأدَّى شهادة عقيب التوبة في درهم أو دونه لا تقبل شهادته ولا توقف حتى تتم خبرته، بل يكون وجودها كعدمها، وأداؤها ككتمها، فما ظنك بمن يروم الإمامة والتصرفات العامة، وتولى أموال الله، والإستيلاء على تصرفات شرع الله، يا لله من هذا اللبس الذي عرض في الدين ووسوست به الشياطين.
قال في (شفاء الأوام) في حق من فعل ما يقدح في الإمامة بعد ثبوتها: لا بد من وقوع التوبة ظاهراً أو وقوع الإختبار، وأقل مدة الاختبارسنة، ثم يجدد الدعوة بعد ذلك، لأن حاله لا يقصر عن حال الشاهد، فقد ذكر العلماء أنه إذا تاب اختبرت توبته مدة وقدر بعضهم سنة، والإمام بذلك أولى، لأنه يتصرف في الدماء والنفوس والأموال، انتهى.
وإذا كان هذا في حق إمام قد ثبتت عدالته وصحت ديانته وأمانته هفا هفوة ثم تاب عنها، فما ظنك بمن لم يثبت ذلك في حقه، وكان منذ شب إلى أن شاخ على التهور والتخليط، والتجري والتخبيط، {إنَّ فِي ذلك لَذِكرى لِمَن كان له قَلْبٌ أو ألقى السَّمْعَ وهُو شَهِيدٌ} [ق:37]، {ياأيُّهَا الَّذِيْنَ آمنوا كُونُوا قوَّامين لله شُهداءَ بِالقِسْط} [المائدة:8]، {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ} [النساء: 135].
لا خفاء في أن الإمامة شرعت لتحصيل مصالح دينية ويبنى عليها كثير من الأحكام الشرعية، فلذلك وجب على الأمة نصب الإمام، وتحتم عليهم القيام بهذه الفريضة والاهتمام، فإذا خلي الزمان عن الدعاة وجب على المسلمين العناية في إمام يقوم بما أمره إلى الولاة، وهذا شيء لا نزاع فيه ولا خلاف، أدلته ظاهرة غير خواف، وإذا دعا داع لا يصلح للإمامة، ولا يليق به تحمل التكاليف العامة، كان توليه للتصرفات، وقبضه للحقوق الواجبات، وإقدامه على إتلاف الأرواح والأموال، من أعظم المفاسد والضلال، وكان كل إصدار منه وإيراد، من البغي في الأرض والفساد، فحينئذ يجب على المسلمين المتقين، العناية في دفع هذه المفسدة العظيمة في الدين، والسعي في قائم حق يدعو إلى الطاعة جميع الخلق من أجل أن الذي شرعت له الإمامة من المصالح العامة لما يحصل الغرض منه ولا يسقط الواجب فيه، فإن قيام غير الصالح لا يحصل به تحصيل المصالح، ومن أجل دفع هذه المفسدة المذكورة والقضية المنكورة ودفع المفاسد أهم من تحصيل المصالح والفوائد، فمع عدم الداعي يجب نصب الإمام من وجه واحد، وهو تحصيل ما شرعت الإمامة لتحصيله، ومع تقدم داع غير صالح يجب نصب الإمام الصالح من وجهين:
أحدهما: القيام بما أمره إلى الأئمة، وتحصيل مالا يحصل إلا بقيامهم من المصالح، إذ قيام المتقدم غير الكامل لا يحصل به الغرض في ذلك بل عكسه.
ثانيهما: دفع ما يقع بسبب قيام غير الكامل من المفاسد، وبناء الأمور على خلاف القواعد، وهذا أهم الأمرين وأعظمهما فوائد، فالعجب ممن اعتقد أن تقدم داع قاصر، قادحٌ في دعوتنا التي سلطانها قاهر، ويقال لهذا المشار إليه، ولمن عول من ذوي ضعف البصيرة عليه: هل يقولون أن تقدم أي داع كان، مانع من دعوة كامل عظيم الشأن؟ أو المانع تقدم دعوة الكامل المجاب، الذي ليس في كماله شك ولا ارتياب؟
إن قلتم بالأول فليس على قولكم معول، وقيل لكم: قد تقدم قبل داعيكم داع، طبقت دعوته جميع الأسماع، فقد سبقتم إلى الزلل، وظهر تناقض القول منكم والعمل، وإن قلتم بالثاني، واعتذرتم في دعوتكم بأن دعوة من قبلكم منهدمة المباني، قلنا: صدقتم في الاعتقاد وأصبتم، وأخطأتم في تخطئتكم لنا وخبتم، فإنا نعتقد في الثاني كاعتقادكم في الأول، بل أعرض من ذلك وأطول، ومعنا طريق التواتر والمشاهدة، وجميع الألسن بما أشرنا إليه شاهدة، ومن أثنى الناس عليه شراً وجبت له النار، بنص المصطفى المختار في صحيح الأخبار، والأمر بحمد الله واضح وضوح النهار، لكنه لا يدرك نور الشمس من سلب نور الإبصار.
|
قد تـنكر العين ضوء الشمس من رمد |