وقد ورد في التحذير من العالم غير العامل والتهديد له مالا يخفى ولا يكاد يحصى، وكان من دعائه صلى الله عليه وآله وسلم : ((اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع))، وعنه صلى الله عليه وآله وسلم : ((يجاء بالرجل يوم القيامة فيلقى في النار فتندلق أقتابه() فيدور بها كما يدور الحمار برحاه، فيجتمع أهل النار عليه فيقولون: يا فلان ما شأنك أليس كنت تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر؟ فيقول: كنت آمركم بالمعروف ولا آتيه، وأنهاكم عن الشر وآتيه)) ()، وعنه صلى الله عليه وآله وسلم : ((مررت ليلة أسري بي بأقوام تقرض شفاههم بمقارض من نار، قلت: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: خطباء أمتك الذين يقولون مالا يفعلون)) ()، وعنه صلى الله عليه وآله وسلم : ((لَلزَّبانية أسرع إلى فسقة القراء منهم إلى عبدة الأوثان، فيقولون: يبدأ بنا قبل عبدة الأوثان؟ فيقال لهم: ليس من يعلم كمن لا يعلم)) ()، وفي رواية: ((أول من يدخل النار العلماء الذين لا يعملون بعلمهم... )) الخبر، وعنه صلى الله عليه وآله وسلم : ((لا تزول قدما عبد حتى يسأل [عن أربع] عن عمره فيم أفناه؟ وعن علمه فيم فعل فيه؟ وعن ماله من أين اكتسبه؟ وفيم أنفقه؟ وعن جسمه فيم أبلاه)) ()، وعن معاذ بن جبل قال: تعرضت أو تصديت لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو يطوف بالبيت، فقلت: يا رسول الله: أي الناس شر؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ((اللهم غفراً سل عن الخير ولا تسأل عن الشر، شرار الناس شرار العلماء في الناس)) ()، وعنه صلى الله عليه وآله وسلم : ((رب حامل فقه غير فقيه، ومن لم ينفعه علمه ضره جهله)) ()، وعنه صلى الله عليه وآله وسلم من حديث: ((وكل علم وبال على صاحبه إلا من عمل به)) ()، وعنه صلى الله عليه وآله وسلم : ((أشد الناس عذاباً يوم القيامة عالم لم ينفعه علمه)) ().
نسأل الله تعالى أن ينفعنا بما علمنا بفضله وكرمه.
اعلم أن شروط الإمامة معروفة غير منكورة، ظاهرة لأهل التمييز مشهورة، ولكن الفضل فيها للعدالة المتحققة، وهذا الشرط هو عمدة الشروط، وعنه يتفرع عدة منها، وبه يستدل على جمعها وتحصيلها، أما كون بعض الشروط تتفرع عنه فلأن العدل لا بد أن يكون ورعاً عن محارم الله تعالى، مقيماً مؤدياً لفرائض الله، وأن يكون سخياً لا يبخل، فإن الشح والبخل من أعظم القوادح في الدين، فقد تكرر في الكتاب المبين قصر الفلاح على من وقى من هذا الخلق الذي يشين قال تعالى: {ومَنْ يُوقَ شُحَّ نفْسِهِ فأُولئكَ هُمُ الْمُفلِحُون} [الحشر:9]، وكيف يكون عدلاً من يبخل بالحقوق عن أهلها، ويمنعها من مستحقها، وأن يكون شجاعاً، فإنه يتفرع على العدالة مجانبة الجبن كالفرار من الزحف، فإنه فسق لا يرتكبه من له ديانة وتورع عن محارم الله تعالى، وقد ذكر في (البحر) ما يفي بهذا، فإنه لما ذكر شروط العدالة قال: وهو ينطوي على الورع والشجاعة والسخاء، وأما كونه يستدل بثبوت هذا الشرط وحصوله على جمع سائر الشرائط المعتبرة وتحصيلها، فلأن من عُلِمَتْ عدالته، وثبتت ديانته لا يقدم على هذا الأمر الجليل من غير تكميل لشرائطه وتحصيل، إذ لو قدرنا ذلك منه لكان غير عدل والمفروض خلافه، فإنَّ ادّعاء الإمامة من غير جمع لشروطها، والإقدام على إتلاف الأموال والأرواح بغير أهلية لذلك ولا صلاح، شاهدٌ بالجرأة على الله والتعدي لحدود الله تعالى، وهذا نظر محرر وبيان لا ينكر، وهذا الشرط لم يخالف في اعتباره أحد من الفرقة الناجية الزيدية وسائر فرق العدلية، بل روي الإجماع التام على اعتباره قال في (البحر):الثالث (يعني من شروط الإمامة): العدالة، لإجماع السلف، واستشهد على أنه لا يعتبر غير العدل بقول بعضهم:
|
وكيف يقوم الظل والعود أعوج |
وقال في (المنهاج): السادس أن يكون ورعاً اتفاقاً، لأنه ما لم يكن كذلك فلا وثوق به على أموال المسلمين ودمائهم وحفظ الأوقاف، ولا يؤمن أن يخل بانفاذ ما نصب لانفاذه، فإن الورع كما يعتبر في الترك يعتبر في الفعل، وإن كان الأول أظهر، وهكذا روى الاتفاق على اعتباره لسان الأشعرية وعالمهم ابن الخطيب في نهاية العقول، فإنه قال: الرابعة (يعني من صفات الأئمة): أن يكون عدلاً، لأن الفاسق ربما يصرف الأموال إلى أغراض نفسه فيضيع الحقوق، ثم عد شروطاً غير العدالة، وقال معها بعد ذلك: فهذه الصفات الثمانية معتبرة بالاتفاق، وقد روي الخلاف في اعتبار العدالة عن الحشوية، وهي مقالة ساقطة مصادمة للقرآن لا يفتقر بطلانها إلى بيان، مع أن بعض من رواها من علمائنا قال ما لفظه: وقيل إنهم لا يخالفون في اعتبار الورع عند عقد الإمامة، وإنما خلافهم في الفسق الحادث بعد انعقادها لعدل، وتأول بعضهم ما صرح به النواوي() وغيره مما يقضي بعدم اعتبار العدالة، على أن المراد أن غير العدل إذا تغلب نفذت أحكامه، ووجبت طاعته، لا لكونه إماماً في نفس الأمر، بل استصلاحاً وبناء على ذلك أقل مفسدة، وأقرب إلى السداد من الخروج عليه وإثارة الفتنة، فإذاً لا خلاف على الحقيقة في نفس الاشتراط، ولم يعلم من الاتفاق في شيء من الشروط كالاتفاق في العدالة، ولا سقوط الخلاف في غيرها كسقوطه فيها، فإن العلم والاجتهاد مع عظم الحاجة إليه ومدار الإيرادات والإصدارات عليه قد خالف في اعتباره من به الاعتبار، وصرح بعدم اشتراطه بعض الأئمة الأطهار وأشياع العترة الأخيار، ونسب عدم إحرازه والتقصير فيه إلى بعض أئمتنا المتأخرين الأخيار.
وهاهنا قاعدة عظيمة الفائدة، وهو أنه قد اشترط في الإمام ما هو أعلا حالاً من العدالة، وهو الفضل، فإن الأصح من تفسيره أن يكون للإمام من المحافظة على الطاعات والتجنب للمكروهات ما يعتاده كثير من الصالحين، فيكون بينه وبين القبيح حاجز، وكذلك بينه وبين الإخلال بالواجبات ليبعد بذلك عن الإقدام على القبيح وترك الواجب، هكذا فسره بعض العلماء الأكابر، وقال: هذا هو المعتمد عليه بل قال: اشترط الزيدية وبعض المعتزلة الأفضلية ومنعوا إمامة المفضول، قال: وفي بعض كتب علمائنا حافلة، وهل تصح إمامة المفضول أم لا؟ اختلف في ذلك، فالذي عليه الزيدية وبعض المعتزلة منهم عبَّاد() أن إمامة المفضول لا تصح، وممن نص على ذلك القاسم والهادي والناصر والمؤيد، قال الناصر: ويفسق المفضول إذا سبق الأفضل بالدُّعا إلى الإمامة وأجاز الشيخان إمامة المفضول لعذر، وفي شرح الإبانة أن كونه أفضل شرط عند المعتزلة بأجمعهم وجميع الشيعة وأبي القاسم الكعبي().
قال بعض العلماء: والذي يدل على اشتراط كونه أفضل ما ذكرنا من الإجماع الدال على اعتبار الفضل، فإنه أيضاً دلّ على اعتبار كونه الأفضل.
قال في أنوار اليقين: لا خلاف في ذلك، واختلاف الصحابة في الأربعة إنما كان لاختلافهم في الأفضل.
ولا يعلم منذ علي عليه السلام إلى وقتنا هذا قبول داعٍ واعتباره وهو معروف بالتخليط وقلة الورع، بأن يظهر التوبة بعد دعوته أو ينبه عليها، فيسعد إليها ليتم مراده، وأن هذه لقضية قطعية، وخطيئة شنيعة، فإن الإمام تؤخذ عنه الأديان، ويتصرف في الأرواح والأموال، ويستأمن على حقوق الله، وينفذ ما حكم به وقضاه، فكيف ذلك والورع معدوم، وعدم العدالة معلوم، والإقلاع عن الظلامات موهوم؟ لقد وجد الشيطان طريقاً إلى التمويه، ومدخلاً من جنبة التلبيس والتشبيه، فهلموا بنا رحمكم الله تعالى إلى بناء الأمور على قواعدها ومطالعة أسفار العلوم الدينية لنطلع على فوائدها، ودعوا ما يريبكم إلى مالا يريبكم، كما أمر به في صحيح الأخبار نبيكم، فإن الحق أبلج، والباطل لجلج، وقد قال صلى الله عليه وآله وسلم : ((البر ما اطمأنت إليه النفس واطمأن إليه القلب، والإثم ما حاك في القلب وتردد في الصدر، وإن أفتاك الناس وأفتوك)) ، واعتبروا الورع فإنه عمدة الشرائط وواسطة الوسائط عن نبيكم صلى الله عليه وآله وسلم : ((بئس العبد عبد تجبر واختال، ونسي الكبير المتعال، بئس العبد عبد يختل الدنيا بالدين، بئس العبد عبد مستحل المحارم بالشبهات)) ()، وقال صلى الله عليه وآله وسلم : ((كن ورعاً تكن أعبد الناس...)) الخبر ()، وقال صلى الله عليه وآله وسلم : ((خير دينكم الورع)) ()، وقال صلى الله عليه وآله وسلم : ((أفضل الدين الورع)) ()، وقال صلى الله عليه وآله وسلم : ((لا يبلغ العبد أن يكون من المتقين حتى يدع ما لا بأس به حذراً لما به البائس)) ()، وقيل له صلى الله عليه وآله وسلم : من الوَرِع؟ قال: ((الذي يقف عند الشبهات)) ، وقال صلى الله عليه وآله وسلم : ((لا يدخل الجنة جسد غذي بحرام)) ()، وقال صلى الله عليه وآله وسلم : ((لا يدخل الجنة لحم نبت من سحت)) ()، وقال صلى الله عليه وآله وسلم : ((يا كعب بن عجرة: إنه لا يدخل الجنة لحم ودم نبت على سحت النار أولى به، يا كعب بن عجرة: الناس غاديان، فغاد في فكاك نفسه، وغاد فموبقها)) ()، وقال صلى الله عليه وآله وسلم : ((الدنيا خضرة حلوة من اكتسب فيها مالاً من حله وأنفقه في غير حقه أدخله الله دار الهوان)) ()، وقال صلى الله عليه وآله وسلم : ((لا يعجبنك رحب الذراعين بالدم، ولا جامع المال من غير حله، فإنه إن تصدق لم يقبل منه، وما بقي كان زاده إلى النار)) ()، وقال صلى الله عليه وآله وسلم : ((يأتي على الناس زمان لا يبالي الإنسان ما أخذ أمن الحلال أم الحرام، فإذ ذاك لا يجاب لهم دعوة)) ()، وعنه صلى الله عليه وآله وسلم في حديث: ((لا يكسب عبد مالاً حراماً فيتصدق به فيقبل منه، ولا ينفق منه فيبارك له فيه، ولا يتركه خلف ظهره إلا كان زاده إلى النار)) ، وعنه صلى الله عليه وآله وسلم : ((من اكتسب مالاً من مأثم فوصل به رحمه أو تصدق به أو أنفقه في سبيل الله جمع ذلك كله فقذف به في جهنم)) ()، وفي هذا النوع من الأخبار كثرة وسعة، لكن اقتصرنا على ما ذكرنا لحصول الكفاية به، وخشية التطويل، وذلك السبب أيضاً في حذف رواة هذه الأخبار المذكورة وعزوها إلى الكتب المشهورة، ومن الأحاديث الشهيرة المتداولة في الورع قوله صلى الله عليه وآله وسلم : ((لو صليتم حتى تكونوا كالحنايا، وصمتم حتى تكونوا كالأوتار، وتوفيتم بين الركن والمقام ما نفعكم ذلك إلا بالورع))، وناهيك بهذا الحديث وما قبله دالاً على فضيلة الورع، وأنه لا خلاق لمن لا يتصف به، ولا اعتبار بمن عرف بغيره وأنفق فيه عمره، وقد أورد بعض الإخوان الأعيان على المشار إليه سؤالاً فيما ينقد عليه وينسب إليه، فما أجاب ببنت شفة، ولا أنبأ عن موصوف ولا صفة.