الحمد لله الذي جعل للشرائع قواعد، وناطَ بها مصالح دينية وفوائد، وجعل الأهم من مقاصده دفع المفاسد، وحكم بالضلالة على كل ناقص من السنن وزائد، والصلاة على رسوله الذي جعل الورع هو الدين كله، ورفع بحميد سعايته مع إعانة الله وعنايته أعلام الملة، وعلى عترته الناقعين لكل علة، الدافعين بهديهم كل بدعة وضلة.

وبعد:فهذه رسالة رافعة للالتباس، دافعة لما أُلْقِي من التمويه على الناس، راسخة الأطناب، مبرمة الأمراس، مبنية بحمد الله وحسن توفيقه على خير أساس، وذلك أنا لما دعونا الخلق إلى مناهج الحق، وآثرنا التعب في الغضب لله على الراحة وإن شق، انتشرت الدعوة الميمونة انتشار ضياء النهار، وطبقت في الأيام القليلة النواحي والأقطار، وتلقاها بالإجابة والانقياد أرباب العلم والفضل والرشاد، وامتلأت بها سروراً وفرحاً أفئدة العباد، وأقبل الناس من كل فج عميق، وأهرعوا من كل قطر سحيق، ونحن منذ ساعة أظهرنا الدعوة نمهد قواعد الدين، ونُبدد عواند المفسدين، ونشتغل بنفع المحتاجين، ونحقق ظنون الراجين واللاجئين، حتى شهد الكبراء الأفاضل بأنه لم يسبق لهذه الدعوة مماثل في سرعة الاجابة وتلبية الإهابة، وتعجل المنافع المستطابة، لكنه بلغنا أنه عرض لبعض الإخوان شك من قبيل وسوسة الشيطان التي لا يخلو عنها إنسان، فقد قال الملك الديان في محكم القرآن حاكياً عنه             -نعوذ بالله منه-:{ثُمَّ لآتِيَنَّهُمْ منْ بَيْن أيديهِمْ ومِنْ خَلفِهِم وعنْ أيْمانِهِم وعَنْ شَمَائلِهِم[الأعراف:17]، قال شقيق() رحمه الله: ما من صباح إلا قعد الشيطان لي على أربعة مراصد من بين يدي ومن خلفي وعن يميني وعن شمالي …الأثر، ولا شك أن الشيطان رغمت أنفه وجدعت وعظمت روعته، واتسعت، لما رأى منا من هدم أساسه ونكس سعيه الخبيث على رأسه، واستنقاذ البرية من ورطته، واستخلاص أعناقهم من ربقته، فلجأ إلى تشويش القلوب لينال بالفرقة ما هو له مطلوب، وله أعوان من الإنس يلقون الإفك من عندهم، وكانوا من جنده، فارتمت بهم الحال حتى صار إبليس من جندهم()، وسبب الشك الذي عرض، والريب الذي اختلج في الصدور واعترض، تقدُم من دعا ممن لم يسمع أحد يعتد به لدعوته ولا وعى، ولقد وقع في شأنه وأمره، ما كنا نحب التجنب لذكره، مما ينقصه غاية النقص، وينادي عليه بالخسر والنحس()، وهو أنه لما دعى سارع الناس إلى رميه بما عرفوا من حاله، ونقضه بما تيقنوا من نقص خلاله، وأرشده بعضهم إلى إظهار التوبة عما ارتكبه من مجانبة الورع والحوبة،  فأظهرها طمعاً في عدم الفوت لمرامه والخيبة، ويا عجباً من هذه القضية المعكوسة، والخطة المنكوسة، فإن الإمام الذي يأمر الناس بالتوبة عن الآثام، والطاعة لباري الأنام، لا أنهم يأمرونه بالإنابة، ويلتمسون منه الإذعان للإقلاع والإجابة، بل يا عجباه من ذكر الناس له وعدم ذكرهم لمن هو قبله، لأن السبب إن كان تقدم الدعوة فدعوة غيره أقدم، وإن كان عدم ذكرهم للأول لعدم كماله، فما أحد أمره بالتوبة لقبح فعاله، وإن كان لنقصان علمه فقلة العلم خير من علم لا يعمل به، ولعمري إن الأمر ظاهر واضح غير مفتقر إلى البيان، وإن تجلية الجلي من أشق ما يعانيه الإنسان، ولكنا نوردُ نكتاً شافية، ونتكلم على فصول بالمراد وافيه تشفي صدور المسترشدين، وتدمغ هامات المعاندين المعتدين، وتكون نافعة إن شاء الله تعالى في أمر الدين.

الفصل الأول: في قلة جدوى العلم بلا ورع، وأنه يضع ولا يرفع.

الفصل الثاني: في أن العدالة قطب رحى الإمامة، ونقطة بيكار شروطها العامة، وملاك أمرها، وخلاصة سبكها وسرها.

الفصل الثالث: أن التوبة بعد الدعوة لا حكم لها في تصحيحها، ولا قبول، ولا تعويل عليها لأرباب العقول.

الفصل الرابع: أن تقدم داع غير صالح ولا فاضل، من أبلغ المرجحات والموجبات لدعوة الكامل، لأن ذلك مانع عن دعوة الصالح وحائل.

وبتمام هذه الفصول يحصل المراد ويتم السؤال، ويستغنى عن ذكر فلان وفلان، وإن كان فيما مضى من زمانه وكان، وذلك بيان لا يفتقر إلى بيان، ونحن ممن لا يحب إظهار المخازي والمعائب، ولا حكاية النقائص والمثالب، وإن كانت معلومة بمشاهدة الحواس الناظرة، ومنقولة بالأخبار المتواترة، نسأل الله السلامة من مقتضيات الملامة والندامة.

 

الفصل الأول

اعلم أنَّ العِلْم الَّذي لا يعمل به كالكنـز الذي لا ينفق منه، ومجانبة العالم للعمل دليل على أن عقيدته فاسدة، وإيمانه مبني على غير قاعدة، فإن الخشية من الله على قدر معرفته ومراعاة العبد لطاعته على حسب عقيدته، ولهذا كان أشد الناس معرفة له أشدهم خوفاً منه، كالملائكة  عليهم السلام ، فقد ذهب بعض أئمتنا إلى أن معرفتهم لباري البرية معرفة ضرورية، وقد قال تعالى: {يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ}([النحل:50] وورد في خوفهم من الأخبار ما ورد من ذلك تضاؤل جبريل من خشية الله حتى يصير بعد العِظَم في غاية القماءة، وقال سبحانه وتعالى:{إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ} [فاطر:28]، فكل متسم بسمة العلم لا يخشى الله ولا يتقيه حق تقواه فليس من العلم في شيء.

قال جار الله: ومن ازداد به علماً ازداد منه خوفاً، ومن كان علمه به أقل كان آمن، وفي الحديث: ((أعلمكم بالله أشدكم خشية))، انتهى.

176 / 331
ع
En
A+
A-