تـحـوي الفنـون وإقـدام وتدبـير

 

وكـونـه فـاطـمي النجر منبعه

 

مـن عـترة لـهم فـي الذكر تطهير

 ولم يزل في كل عصر إمام يقفو أثر إمام، وداع إلى الله وإلى إحياء شرع رسوله عليه الصلاة والسلام، وعلى آله، وكل من قام ذلك المقام تحتمت طاعته على جميع الأنام، ولزم الاعتناء بأمره والاهتمام، والجهاد معه بالنفوس والأموال من غير إحجام، وإعانته بحقوق الله المالية على مر الأيام، يستوي في التكليف بذلك الملوك والسوقة، ويحرم على كل من الملوك والسلاطين والأوساط أن يضيع حقوقه أو يرتكب عقوقة، وسواء في ذلك من قربت داره وشط مزاره، ولن يعلو عنه رفيع لعلو درجته، ولا ينحط عنه وضيع لسقوط منـزلته، وكل واحدة من هذه القضايا عليها براهين قاطعة، ودلائل واضحة أنوارها ساطعة، تشمل عليها أسفار العلوم، ويطلع المهرة فيها على سرها المكتوم، وإنا في عصرنا هذا لما حزنا بلطف الله الشرائط المعتبرة، وفزنا بإعانة الله بسلوك طرقها المتوعرة، طمحت إلينا الآمال، وشدت إلى أبوابنا لطلب ذلك الأمر منا الرحال، وعكف لدينا لأجله فحول الرجال، وبالغ في ذلك أرباب الفضل والكمال، فدعونا إلى الله دعوة مرضية محمودة، مقبولة عند العلماء والحكماء والفضلاء والنبلاء غير مردودة، انتشرت في الأقطار، كانتشار أنوار النهار، وسارت في البوادي والأمصار كمسير المثل السيار، وتغلغلت في الآفاق مبتسمة الثغور، منتشرة الأنوار، فلباها من عقد عليه من التوفيق نطاق، وتغافل عنها من ضَربت الغفلةُ عليه برواق، وإن ممن أجاب داعيها، ولبَّى مناديها كثيرٌ من السلاطين والملوك الظرفاء كسلاطين الحرمين الشريفين زادهما الله شرفاً، وكذلك ملك اليمن، وصاحب تعز وزبيد وعدن، وأما علماء الأمة وأرباب الفضل والحكمة ومن تتجلى بنور هدايتهم كل ظلمة، فأتباعنا منهم العدد الكثير، والجم الغفير، وأشياعنا من هذا الجنس في البوادي والأمصار لا يؤتى لهم على انحصار، ولما كان ملك الإسلام، المؤنس بأنوار عدله وجهاده للأرجاء الموحشة، ممن ترمق العيون إلى مناصرته في هذا الشأن، ومظاهرته وإعانته في تقوية كلمة الحق وحسن إعانته، لما يبلغ عنه من الأوصاف السنية، والوظائف الزكية، والهمم العلية، والشيم المرضية، وجهنا إليه هذه المقالة الغراء والرسالة العذراء تعريفاً له بالحال، فلا عتب على من لم يطلع عليه، وتبليغاً إلى مقامه الأعز لهذه الدعوة، فلا تكليف بها على من لم تبلغ إليه، ملتمسين منه الأخذ من هذه الدعوة الهادية بنصيب، والرمي في درك فضلها بسهم مصيب، والالتفات إلى جانب الإعانة بهمة أديب، والتعويل على حميد السعاية في شأنها بنهضة لبيب، والاهتمام بتقويمها على البعيد السحيق، بفؤاد قريب، والاعتقاد الجازم بعظم قدرها من غير شك مريب، وإنه لجدير أن يكون الأمل فيه محققاً، والظن في مكارمه ومحامده مصدقاً، فمن كان مثله شنشنته الجهاد لأعداء الله، وأعداء دين رسول الله الذي بلغه إلى أمته وأداه، وبعثه به الرب الحكيم وارتضاه، كان خليقاً بأن يمنح أولاد ذلك الرسول المبعوث وداً، ولا يجري منه لدعوة القائم منهم رداً، وقميناً () بأن يحييها مسرعاً ويلبيها، ويكون له الحظ الأوفر فيها، فمن حق خاتم الرسل ومبلغ الأنباء ما أشير إليه في الذكر الحكيم من المودة في القربى.

 فهذه دعوة ولد رسول الله، وسلالته الطيبة المرتضاة، من قام داعياً إلى الله قاصداً لإحياء دين الله، راجياً أن يكون ممن قال فيه الله:{ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ} [النساء:59]، وممن قال فيه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ((من سمع واعيتنا أهل البيت فلم يجبها كبه الله على منخريه في نار جهنم)) ()، وقد قال أيضاً صلى الله عليه وآله وسلم : ((من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية)) ()، {يَاقَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِي اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ، وَمَنْ لاَ يُجِبْ دَاعِي اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَولِيَاءُ أُوْلَئِكَ فِي ضَلاَلٍ مُبِينٍ} [الأحقاف:31، 32]، ولقد وجهنا لتبليغ هذه الرسالة، وتفصيل شأنها وتفصيل إجمالها، الشيخ الصدر، العلامة الحبر، عماد الملة والدين، عمدة الأعيان الأمجدين؛ يحيى بن حسن المنسوب إلى جيلان، أصلح الله له وبه وعلى يده كل شأن، وإنه لمعدود عندنا من الأعيان، ومنخرط في سلك النصحاء الأعوان، ونرجو أن يساعده المقدور، ويبلغ به الحظ الأسنى إلى ذلك المقام المشهور، فتحق له التحفة والكرامة، ويتوجه لمثله حسن النُزُل والإقامة، وأن يفرغ عليه سرابيل المن والإحسان، فيعود شاكراً ذاكراً لأنعم السلطان، قاضياً لكل إرب وحاج، فائزاً بما يوجب البشر والابتهاج، وكيف لا وقد تحمل إلى ذلك المقام غاية المشقة، وارتكب لحسن أمله فيه بُعد الشقة، واقتحم عظيم الأخطار ناهضاً تاعباً في البر والبحار، وبلغ رسالة داعي الحق من أبناء المصطفى المختار، فليس مثله من يخيب أمله، أو يضيع عمله، أو ينقلب وقصة خفي حنين مثله، فإن على لسانه في أمرنا تحقيق الحال، وإيضاح السر الدفين، والقول ما قالت حذام، وعند جهينة () الخبر اليقين، {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [يوسف:108].

 

 

 

174 / 331
ع
En
A+
A-