الحمد لله الملك القدير، العليم الخبير، العزيز النصير، الذي ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، والذي بيده أزمة التدبير، وأعنة التقدير، مالك الملك، يؤتي الملك من يشاء، وينـزع الملك ممن يشاء، ويعز من يشاء، ويذل من يشاء، بيده الخير، وهو على كل شيء قدير، أحمده وهو بالحمد جدير، وأشكره شكر معترف بالتقصير، وأستعينه على هذا الأمر العسير والشأن الخطير.
وأشهد أن لا إله الله وحده لا شريك له ولا وزير، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله البشير النذير، الداعي إليه بإذنه السراج المنير، صلى الله عليه وعلى آله، أهل العلم الغزير، والحلم الكثير، والفضل الكبير، المخصوصين بآية التطهير، التالي آخرهم تلو أولهم في هداية الخلق إلى الحق الشهير.
أما بعد: فإني قد حملت أمراً عظيماً، وتقلدت تكليفاً جسيماً تنوء به الجبال الرواسي، ويعيا بمشكله الفطن النطاسي ()، ولا يوجد لأخطاره وعظيم أوزاره آسى، إلا مع تيسير الله ورحمته، وتوفيقه وعصمته، وهدايته، وإعانته، وحياطته، ورعايته، وحمايته، وكلايته، وإغاثته وعنايته، وبالله العظيم ما دخلت فيه رغبة في الدنيا، ولا خضت غماره وفي القلب شيء من سَيءِ الأهواء، لكنه لما ضاق المجال، وأعوز في الاعتذار المقال، لم أجد بداً من الإقدام، فأقدمت راجياً من الله تثبيت الأقدام، ولقد أسرعتم رحمكم الله إلى الطاعة، وبذلتم في النصح لله حدَّ الاستطاعة، فجعل الله سعيكم مشكوراً، وعملكم مبروراً، وبلغكم أملكم في نصرة هذا الدين الحنيف، ورفع أعلام المذهب الشريف، وجمع كلمتنا وسائر المسلمين على التقوى، وعصمنا من تشتت الآراء واختلاف الأهواء، وجعلنا ممن يؤثر الآخرة ويرفض الدنيا، وجعل دعوتنا هذه شادة لأزر الدين، فاتّة لأعضاد المفسدين والمعتدين إنه خير ناصر وعاضد وولي ومعين.
تمت الدعوة الميمونة على منشئها أفضل الصلاة والتسليم عند انبساط الشمس في العشر الأولى من ذي الحجة سنة879، بمشهد الإمام علي بن المؤيد عليه السلام .
وكتب عليه السلام كتاباً إلى سلطان الحبشة في زمانه وهو ابن سعد الدين كتاباً وسيماً، وتأهَّل لتبليغه الفقيه المذكور في الرسالة وأنشأه بمحروسة السودة في شهر رمضان سنة تسعين وثمان مائة سنه.
وهو بعد لفظ البسملة:سلام يقترن باليُمن والسعود، وتجري أنهاره المستعذبة في غير أخدود، وإكرام له بروق خيرات ورعود، وإنعام يبدأ وَكَّافه في كل يوم ويعود، على من سار صيته في الآفاق، وملأت محاسنه الأسماع والآماق، وطاب نشر أوصافه في البسيطة وراق، وطال تعداد سجاياه الحميدة فقصرت عنها الأوراق، وسبق في حلبة الجهاد، لأرباب الكفر والعناد، على الأقران وفاق، الملك السلطان الأجل الهمام المقام الأكمل، طراز المجد الأطول، ودرة التاج المكلل، والغرة الشادخة في ذروة الشرف الباذخة، التي عليها المعول، خالد بن سعد الدين، عمدة الملوك والرؤساء والسلاطين، المجاهد لأعداء الله المعتدين، الحامي بهمته القعساء ونهضته الغراء حال الدين، خلَّد الله مجده، وأسعد جده، وجدد سعده، وكبت عدوه وضِده، وأعز نصره على من تعدى حده، وقمع يافوخ من عانده من الكفرة المردة ورده، ومد عليه رواق نعمه السنية، وعقد عليه نطاق منحه الهنيه، وأفاض عليه سجال بره كل بكرة وعشية، وبلغه من مراماته الحسنة في خواتم الأمر ومباديه، ومن نيل عوارفه وأياديه قصارى الأمل والأمنية، وبعد:
فهذه ألوكة () وجهناها إلى مقامة ومقالة جديرة باتحافه وإكرامه، تجوب إليه أرضاً بعد أرض، وتنبري لوجهتها لقطع مسافتها بين رفع وخفض، وتقتحم إليه الأخطار، وتعبر في الفلك على متون البحار، إلى أن تنتهي إن شاء الله بحضرته الشريفة، وساحته المرتفعة، وتسمو إلى أن تصير بمرتبته المنيفة، مؤدية لمسنون المواصلة، مهدية لكلم من الحكمة، ينبغي أن تعد أسنى صلة، آملة أن تتلقى بالقبول والاستبشار والإقبال، وأن تعامل بالتكرمة وحسن النـزول والإجلال، وأن يقف المقام عليها وقوف متأمل لمعانيها، وتدبر لحسن سياقها، وقوة مبانيها، معرفة للمقام بما لا يعزب عن مثله، ولا يشذ عن راسخ حلمه وباذخ فضله، لكن نورده من قبيل التذكير والتنبيه، على كيفية غير خالية عن إبراز تعليل وتوجيه.
فنقول: إن الله سبحانه وتعالى بعث نبيه، وصفيه، وخيرته من خلقه ووليه، صلى الله عليه وآله وسلم مبشراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً، فنشر الإسلام، وبلغ الأحكام، وفرق بين الحلال والحرام، وجاهد الكفرة المردة الطغام، وما زال لأمته ناصحاً، وعن ملته مكافحاً، حتى أعلا الله كعبه، وسر قلبه، وكثر صحبه، وأعز حزبه، ثم قضى بعد ذلك نحبه، ولقي في حلل السعادة الأبدية ربه، وكان من مقتضى الحكمة الإلهية، انقطاع الوحي حينئذ بالكلية، وأن يكون صلى الله عليه وآله وسلم خاتم النبوة والرسالة، وآخر الأنبياء وجوداً، وإن كان أقدمهم فضلاً وجوداً، لا محالة، وحيث لا غُنية للأمة عن رئيس يرجعون في أمور دينهم إليه، ويعتمدون في المصالح الدينية عليه، شرع الله سبحانه الإمامة وجعلها للنبوة خالفة، وشد بها أزر الإسلام، وقمع بها مجانبه ومخالفه، وأصلح بها الأمور، ونظم بها أمر الجمهور، وحفظ بها الشرع ووظائفه، لكنه جعل لها شرائط معلومة، وشرع لها فرائض على المسلمين محتومة، ولم يجز أن يكون في العصر الواحد إلا إمام، ولا شاع أن يتصدى لها إلا من جمع أوصافها على الكمال والتمام؛ شعراً:
|
جـودٌ
وفضـلٌ مـع علمٍ ومعرفة |