واعلموا زادكم الله علماً، وأولاكم لما هو الأولى بكم فهماً، إنه مما يصلح به الحال بين الإمام والرعية، ويستمر به أمرهم وعقائدهم على الطريقة المرضية، أن يكونوا لحسن الظن ألفين، وعن مناهج سوء الظن متجانفين، ولدواعي التوهمات الفاسدة مخالفين، فاعلموا أرشدكم الله على ذلك، واسلكوا فيه أبعد المسالك عن المهالك، واعتمدوا قول المولى الحكيم المالك: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلاَ تَجَسَّسُوا وَلاَ يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا} [الحجرات:12]، وناهيك بهذه الآية الكريمة مورثة لهذه الخلائق الذميمة بغضاً، والذي يليق بمن بلغه شيء يستنكره بادي الرأي أن يتثبت أولاً فيما يرفع إليه، ولا يقع في نفسه ولا يعمل عليه إلا بعد أن يعلم صحة الرواية بإحدى طرق العلم والدراية، فكم مختلق نقل ما لم يكن، بُهتاً واكتذاباً، وغير متحقق حكى الأمر على غير صفته، خبطاً في الرواية واضطراباً، وهذا شيء قد تكاثر في هذا الزمان ولم يكد يسلم منه لسان، فالله المستعان، ومتى صح للغائب ما نقل عنا، وثبت بغير شك صدوره منا، فقد صار كالخاص المشاهد، وحكمهما حينئذ بلا شك واحد، وهو النظر في محامل السلامة وعدم المسارعة إلى الملامة، فقد يكون للصورة الواحدة وجوه واسعة متعددة، وهي في الوقوع على بعضها مستقبحة، وعلى البعض الآخر مستحسنة مستصلحة، فمتى لم يقع تنبيه على هذا الوجه الذي يكون ذلك الفعل بوقوعه عليه حسناً، و صار خفياً في نظره لا بيناً، فالواجب حينئذ البحث والسؤال، على وجه يعرف المخلص لا على جهة الجدال، وعلينا حينئذ الإنصاف في الجواب، والإيضاح لمنهج الصواب، مع الانبساط وإظهار اليسر بما يرد من هذا القبيل والبساط، والبناء على الرجوع إلى الحق المبين، وعدم التمادي في الباطل المتعين، بل بعد المباحثة فيما يعرض من مشكلات السيرة تحنناً علينا، وإحساناً إلينا، وتزلف من فعل ذلك تدينا، وتثبتاً في أمر دينه لدينا.

 اللهم أحسن إلى من يذكرنا إن نسينا، ويحذرنا على أمر مستهجن إن هممنا، ومن إذا خلا بنا وعظنا، وإذا عرض لنا سنة في تصرفنا أيقظنا، وإذا أنس منا جهالة عرفنا، أو تصميماً في محل اللبس خوفنا، فلسنا ندعي العصمة على الخطأ، والوصمة، اللهم إنا نسألك عصمة عن الخطأ، والخطل، وسلامة من الزيغ والزلل، وتوفيقاً في القول والعمل، وبلوغاً في دينك لقصارى الأمل.

القسم الثالث: في ذكر ما نبذله لمن أجاب دعوتنا واستشعر مودتنا، والتزم بعروتنا، وانضم إلى جماعتنا، فنقول:

علينا لمن تلك صفته، وهجيراه ووظيفته، المحبة في الله، والمودة والموالاة، والاسعاف والمواساة، والحياطة والإنصاف، والصيانة والإتحاف ولا يخاف، وعدم الغلظة والاعتساف،  والحماية والمدافعة، والذب والممانعة، والإعزاز والإكرام، والرفق والاحترام، وأن نوقر الكبير ونرحم الصغير، ولا نبغي علواً، ولا يورثنا أبهة الأمارة طغياناً وعتواً، بل نخفض الجناح للمتقين، ونكون كقوله تعالى:{أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ} [المائدة:54]، ونقبل الحق من حيث ورد، ولا نكفهر () في الرد على أحد، ونعد مِنْ أحبِّ الناس إلينا وأزلفِهم لدينا مَنْ يكافحنا بالنصح المبين، ولا يغضي على شيء مما يصم ويشين، ونسكن الملهوف، ونؤمن من الأمر المخوف، ونؤوي الطريد، ونغيث الشريد، ونعين الفقير، ونجير المستجير، وننصر المظلوم، وننعش المهضوم، ونميت الاختلاف، ونحيي الالتئام والائتلاف، ونعلي العلم وأهله، ونعز الفضل، ونجمع شمله، ونفرج الغمَّى،  ونُسْكن الدهماء، ونُذهب بالنائِّرة، ونُخمد نيران الفتن الساعرة، ولا نتحامل على من سبقت منه إساءة، ولا نرتضي له كغيره مساءة، كل ذلك مقيد بمشيئة الله وهدايته، ونصرته وإعانته، فهو ولي التمكين، وخير ناصر ومعين.

 وحين خلصت النية، وصلحت السريرة والطوية في هداية الخلق، والقود بنواصيهم لمناهج الحق، قطعنا بحصول الظفر، ونيل السؤل الديني والوطر، لأن الناس بين مهتد طائع، مصيخ لدعوة الحق سامع، فليأمل أجره من غير نقصان، بشهادة الأخبار والقرآن، وبين نافر متحامل، وجاهل أو متجاهل، يتلقى الدعوة الميمونة بالإعراض، والطعن والاعتراض، ويصدر عنه من الأذى والهجر مالا يسلم منه، آمر بعرف وناه عن نكر، فيكون بأنواع إساءاته مهدياً لنا حسناته، ونكون بالصبر ظافرين بالقدح المعلى في الأجر، وهذه غنيمة يرغب إليها مَنْ الأجرُ همُّه، ومن لم تكن الدنيا مما يهمه.

 ولعمري لئن نظرت الأمة إلى جانب الرشاد، وسلموا لطاعة من يريد صلاحهم القياد، ليحصلن لهم الغرض وليتمن المراد، وليتبين لهم من حسن السيرة ما تقر به عيونهم، وتصلح به شؤونهم، وأما إن ولَّوا عن الحق مدبرين، ونفروا عند استماعه مستكبرين، كُنَّا بذلك شهوداً عليهم يوم الدين، ولم يكونوا علينا بالتفريط شاهدين.

 اللهم اشهد على أفئدتنا بقصد الصلاح والفلاح، وصيانة الأديان والأموال والأرواح، وأنا دعونا عبادك إلى طاعتك ونصرة دينك، والجهاد في سبيلك، وبلغنا ما ألزمتنا إذ أمرتنا وامتثلنا، وتجردنا لما أردته منا، وقدمناه على أنفسنا وخاصتنا، اللهم فوفق العباد لمطابقة المراد، وخذ بأزمتهم إلى الحق اللائح، وقُد بأعنتهم لسلوك المنهج الواضح، وارزقنا منهم جلساء علماء عاملين، ووزراء أجلاء ناصحين وأمراء كرماء ناهضين، وعمالاً أمناء جاهدين، وأتباعاً مطاعين مرشدين، ورعية مطاوعين مهتدين. 

{قُلْ هذه سبَيِلي أدْعُوا إلى اللهِ على بصيرةٍ أنَا ومَنِ اتَّبَعَنِي وسُبْحانَ اللهِ وما أنَا مِنَ الْمُشْرِكِيْنَ} [يوسف:108].

قُرِئَت هذه الدعوة الميمونة المباركة المعصومة على من حضر من المسلمين، وذلك بين الصلاتين من يوم الخميس لتسع ليال خلون من شوال سنة تسع وسبعين وثمانمائة سنة.

 فلما فرغ من قراءتها ووقعت البيعة بعد أن أقبل الناس إليها أفواجاً وبايعوا فرادى وأزواجاً قام عليه السلام  فقال:

172 / 331
ع
En
A+
A-