ونظراً إلى ما ورد عن المصطفى المختار، وروته عنه أئمة الآثار والأخبار، في الجوامع الكبار من الترهيب عن تقلد الولايات والإنذار، والتنبيه على ما تنطوي عليه من عظيم الأخطار، من ذلك قوله صلى الله عليه وآله وسلم : ((كلكم راع ومسئول عن رعيته، الإمام راع ومسئول عن رعيته، والرجل راع في أهله ومسئول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها ومسئولة عن رعيتها، والخادم راع في مال سيده ومسئول عن رعيته)) ()، وقوله صلى الله عليه وآله وسلم : ((إن الله سائل كل راع عما استرعاه حفظ أم ضيع)) ()، وقوله صلى الله عليه وآله وسلم : ((إن شئتم أنبأتكم عن الأمارة وما هي، فنادى بعض أصحابه بأعلى صوته: وما هي يا رسول الله؟ فقال صلى الله عليه وآله وسلم : أولها ندامة، وأوسطها غرامة، وآخرها عذاب يوم القيامة)) ()، وقوله صلى الله عليه وآله وسلم : ((ما من رجل يلي أمر عشرة فما فوق ذلك إلا أتى الله مغلولاً يوم القيامة يده إلى عنقه، فكه بره، أو أوثقه إثمه، وأولها ملامة وأوسطها ندامة، وآخرها خزي يوم القيامة)) ()، وقوله صلى الله عليه وآله وسلم  لعمه حمزة، وقد قال: يا رسول الله: اجعلني على شيء أعيش به؟: ((يا حمزة: نفس تحييها أحب إليك أم نفس تميتها؟ فقال: نفس أحييها، فقال: عليك نفسك)) ()، وقوله صلى الله عليه وآله وسلم  لعمه العباس وقد طلبه مثل ذلك: ((يا عم نفس تنجيها خير من ولاية لا تحصيها))،  وقوله صلى الله عليه وآله وسلم  للمقدام بن معدي كرب، وقد ضرب بيديه صلى الله عليه وآله وسلم  على منكبيه: ((أفلحت يا قديم إن مت ولم تكن أميراً ولا كافياً ولا عريفاً)) ()، وقوله صلى الله عليه وآله وسلم : ((ليتمنين أقوام يوم القيامة أن ذوائبهم معلقة بالثريا يدلون بين السماء والأرض، وأنهم لم يلوا عملاً)) ().

 والأحاديث في هذا الشأن متكاثرة، والروايات في ترجيح ترك الولايات متظاهرة، وفي الأقل مما ذكرناه كفاية في صدع الأفئدة وتسعير نار الخوف الموقدة، لكنه لما اسحنككت () الظلمة، وانتهكت الحرمة، وامتدت الغمة، واشتدت الأزمة، وتعاظمت النوائب الملمة، وتفاقمت المصائب المدلهمة، وتصدر لهذا الأمر من ليس له بأهل، وتلاطمت أمواج الجور والجهل، ولمعت بوارق التلبيس، وطلعت طلائع التغرير والتدليس، كرت علينا الأنام كرةً مالها مدفع، وأقبلوا علينا إقبالة لا يجدي فيها الإعذار ولا ينفع، و شَهِد علينا العلماء الأخيار، والفضلاء الأبرار، ومن يعتبر كلامهم غاية الاعتبار، ممن هممهم مقصورة على تقويم أمر الدين المريج، وليس لهم على جانب الدنيا تعويل ولا تعريج، بلزوم القيام لله، وتحتم الغضب لدين الله، وتلافيه قبل التلف بالكلية، وتداركه من ورطة الهلاك والبلية، وبأنا إن فرطنا في ذلك أسخطنا الرحمن وأرضينا الشيطان، ولم نكن من وبيل العقاب على أمان، منهم من شافهنا بذلك إسراراً وإعلاناً، ومنهم من تواترت كتبه وحداناً وثنياناً، فحينئذ عيت بنا العلل، وضاقت علينا الحيل، وعرفنا أنها قد قامت الحجة علينا لله عز وجل، فإن وجوه الوجوب قد تظاهرت، وإن مرجحات الإقدام على الإحجام قد تكاثرت، وكفى بشهادة الطوائف من أهل الفضل والمعارف، فقد قال تعالى:{لِتَكُونوا شُهداءَ عَلَى النَّاسِ}[البقرة:143]، واعتبر صلى الله عليه وآله وسلم  شهادة طائفة من أمته في أمر لا طريق لهم إلى معرفته مع تمكنه صلى الله عليه وآله وسلم  من الاطلاع على جلة الأمر وحقيقته، نظراً إلى هذه الآية الكريمة القاضية للأمة بإحراز الشهادة العميمة، فعنه صلى الله عليه وآله وسلم  أنه مر عليه بجنازة فأثنوا عليها خيراً، فقال: ((وجبت))، ثم مر عليه بأخرى فأثنوا عليها شراً، فقال: ((وجبت))، ثم قال صلى الله عليه وآله وسلم : ((إن بعضكم على بعض شهيد)) ()، وفي رواية أخرى: فأثني عليها خيراً،  فقال صلى الله عليه وآله وسلم : ((وجبت، وجبت، وجبت))، ومر بجنازة فأثني عليها شراً، فقال صلى الله عليه وآله وسلم : ((وجبت، وجبت، وجبت))، فسأله عمر عن ذلك؟ فقال صلى الله عليه وآله وسلم : ((من أثنيتم عليه خيراً وجبت له الجنة، ومن أثنيتم عليه شراً وجبت له النار أنتم شهداء الله في الأرض)) ().

ورجونا أن الله سبحانه وتعالى لعلمه بما نحن عليه من كراهة الولاية، وتوقي خطر البداية فيها والنهاية، وكون إقدامنا لم يكن إلا تحرجاً عن الإحجام، وخوفاً للتفريط في جنب المنعم بصنوف الإنعام، يخلصنا من أخطارها، ويقينا مخوف شرها ومضارها، وتبلغ المسلمين ما أملوه من أوطارها، ففي الصحيحين عنه صلى الله عليه وآله وسلم  أنه قال لبعض أصحابه: ((لا تسأل الأمارة فإنك إذا أعطيتها من غير مسألة أعنت عليها، وإن أنت أعطيتها عن مسألة وكلت إليها)) ()، ونظرنا إلى أن الأمر بالمعروف الأكبر، والنهي عن الفحشاء والمنكر، معلومان الوجوب بالضرورة من الدين، وأن الظنون لا تعارض اليقين، قال الله تبارك وتعالى:{ولْتَكُنْ مِنْكُم أُمَّةٌ يَدعُونَ إِلى الخيرِ ويأمُرُونَ بِالْمعروفِ ويَنْهَونَ عَنِ الْمُنكرِ وأُولئكَ هُمُ الْمُفْلِحون[البقرة:104]، وقال تعالى: {اُدْعُ إلى سبيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمة والْمَوعِظةِ الْحسَنةِ}[النحل:125]، وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم :((والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليوشكن الله يبعث عليكم عقاباً ثم تدعونه فلا يستجيب لكم)) ()، وقال أبو بكر: يا أيها الناس إنكم تقرأون هذه الآية:{ياأيُّهَا الَّذينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إذا اهْتَدَيْتُمْ} [المائدة:105]، وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم  يقول: ((إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعقاب من عنده)) ()، وعنه صلى الله عليه وآله وسلم : ((ياأيها الناس مروا بالمعروف وانهوا عن المنكر قبل أن تدعوا الله فلا يستجيب لكم، وقبل أن تستغفروه فلا يغفر لكم، إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يدفع رزقاً، ولا يُقرب أجلاً، وأن الأحبار من اليهود والرهبان من النصارى لما تركوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لعنهم الله على لسان أنبيائهم ثم عموا بالبلاء)) ()، وعنه صلى الله عليه وآله وسلم : ((لا تزال لا إله إلا الله تدفع ممن قالها وترد عنهم العذاب والنقمة مالم يستخفوا بحقها، قالوا: يا رسول الله: وما الإستخفاف بحقها؟ قال: أن يظهر العمل بمعاصي الله فلا ينكروا ولا يغيروا)) ()، وعنه صلى الله عليه وآله وسلم  أنه قعد على المنبر فحمد الله وأثنى عليه وقال: ((يا أيها الناس إن الله يقول لكم: مروا بالمعروف وانهوا عن المنكر قبل أن تدعوني فلا أجيب لكم، وتسألوني فلا أعطيكم، وتستنصروني فلا أنصركم، فما زاد عليهن حتى نزل)) ()، وقال صلى الله عليه وآله وسلم : ((ليس منا من لم يرحم صغيرنا ويوقر كبيرنا، ويأمر بالمعروف وينه عن المنكر)) ().

وألهمنا أن الترهيب المذكور في الولاية، والتهديد والزجر عنه، والوعيد الشديد، خرج مخرج الإطلاق للتحريج، والتحذير والتشديد، مع كون اطلاقه راجعاً ومردوداً إلى صريح التقييد في قوله صلى الله عليه وآله وسلم  لأبي ذر، وقد ضرب صلى الله عليه وآله وسلم  على منكبيه: ((يا أبا ذر: إنك ضعيف وأنها (يعني الأمارة) أمانة، وأنها يوم القيامة خزي وندامة، إلا من أخذها بحقها وأدَّى الذي عليه فيها)) ().

وطمعنا في نيل ثواب الله الجزيل ورضوانه الأكبر الجليل بالتأهل لإرشاد عباده إلى مطابقة مراده، ودعائهم إلى طاعته، والسيرة فيهم بمقتضى شرعته، نظراً إلى قوله تعالى: {ومَنْ أحْسَنُ قولاً مِمَّنْ دَعا إلى اللهِ وعَمِلَ صَالِحاً وقالَ إنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِيْنَ} [فصلت:33]، وقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم  وقد قيل له: من خير الناس؟ فقال: ((أتقاهم للرب عز وجل، وأوصلهم للرحم، وآمرهم بالمعروف وأنهاهم عن المنكر)) ()، وقوله صلى الله عليه وآله وسلم : ((سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله إمام عادل...)) الخبر ()، وقوله صلى الله عليه وآله وسلم : ((إن المقسطين عند الله على منابر من نور، الذين يعدلون في حكمهم وأهلهم وما ولوا)) ()، وقوله صلى الله عليه وآله وسلم : ((أهل الجنة ثلاثة: ذو سلطان مقسط موفق للخير...)) () والمقسط العادل، وقوله صلى الله عليه وآله وسلم : ((يوم من إمام عادل أفضل من عبادة ستين سنة، وحد يقام في الأرض بحقه أزكى فيها من مطر أربعين صباحاً)) ()، وقوله صلى الله عليه وآله وسلم : ((والذي نفس محمد بيده إن الوالي العادل ليرفع له كل يوم مثل عمل رعيته)) ، وقوله صلى الله عليه وآله وسلم : ((عدل ساعة خير من عبادة ستين سنة قيام ليلها وصيام نهارها...)) الخبر()، وقوله صلى الله عليه وآله وسلم : ((أحب الناس إلى الله يوم القيامة وأدناهم منه مجلساً إمام عادل...)) الخبر()، وقوله صلى الله عليه وآله وسلم : ((أفضل الناس عند الله تعالى منـزلة يوم القيامة إمام عادل)) ()، وروي عنه صلى الله عليه وآله وسلم : ((من مات وليس بإمام جماعة ولا لإمام جماعة في عنقه -أحسبه قال: بيعة- مات ميتة جاهلية)) ().

فحين اعتبرنا هذه الاعتبارات، ونظرنا فيما ذكرنا من الأخبار والآيات، وتيقنَّا وجوب الهداية، والردع عن الغواية، وخفنا من التفريط في واجب القيام، مع توقع انهدام دين الإسلام، وبعدما أظهره وناح به الخاص والعام، من بذل الانقياد بأزمة الهدى والرشاد، استخرنا الله تعالى، وانتضينا () سيف العزم الصارم الجراز، وانتهضنا لإحياء دين الله الذي من سعى في إحيائه نجا وفاز، وتصدينا لهداية الخلق إلى سبيل الحق، وللصد عن محارم الله، والمباينة لأعداء الله، وقبض أموال الله من أهليها ووضعها في مصرفها ومستحقيها، معتصمين بالله من الخطأ والزلل، متوكلين على الله عز وجل، واثقين بالله في إصلاح القول والعمل، راكنين إلى الله لا إلى أحد سواه، عائذين بالله من سوء ما قدَّره وقضاه، راجين متعرضين لما وعد به من جزيل ثوابه، لاجئين إليه في النجاة من سخطه وعذابه، {إنْ أُرِيد إلاَّ الإصلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وما تَوفِيْقِي إلاَّ بِاللهِ عَليْهِ تَوَكَّلْتُ وإلَيْهِ أُنِيْبُ} [هود: 88].

 اللهم فكما علمت أن النية ما ذكرناه، وأن القصد في قيامنا هذا حسبما شرحناه، فثبتنا على هذه النية الصالحة، وخذ بنواصينا لسلوك المناهج الواضحة، وسددنا في الإصدار والإيراد، واكتبنا في أهل الجد في دينك والاجتهاد، وأرجح موازيننا بسعينا هذا يوم المعاد، وتجاوز عنا فرطات اللسان وهفوات الفؤاد يوم يقوم الأشهاد.

القسم الثاني: في ذكر ما نطلبه ونلزمه من بلغته دعوتنا هذه، الميمونة المعصومة، من جميع الأمة المباركة المرحومة، وذلك هو المسارعة إلى طاعتنا، والمبادرة إلى بيعتنا، والدخول في جمعتنا وجماعتنا، والانتهاض لنصرتنا وإعانتنا، والجهاد بين أيدينا وتحت رايتنا، وتسليم الحقوق الواجبة إلينا، والتعويل في صرفها ووضعها في مستحقها وموضعها علينا، ألا فأجيبوا رحمكم الله داعيكم إلى الله مسرعين، ولبوا دعوته مذعنين مطاوعين، {يَاقَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِي اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ،  وَمَنْ لاَ يُجِبْ دَاعِي اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَولِيَاءُ أُوْلَئِكَ فِي ضَلاَلٍ مُبِينٍ} [الأحقاف: 31، 32]، وابتدروا رحمكم الله لنصرة دين الله مهرعين {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونوا أَنصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللَّهِ فَآَمَنَتْ طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَتْ طَائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آَمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ} [الصف: 14]، وقوموا لله غاضبين، ولأعدائه مجاهدين مناصبين، {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ، تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ، يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ، وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ[الصف: 10-14]، وأدخلوا -رحمكم الله- أعناقَكم في ربقة الطاعة طائعين، {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ}[النساء: 59]، ولا تتولوا عن دعوة الحق مدبرين، وتلووا رؤسكم عند سماعها غير ناظرين، فإنه ورد عن نبيكم الصادق الأمين صلى الله عليه وعلى آله الطاهرين: ((من سمع واعيتنا أهل البيت فلم يجبها كبه الله على منخريه في نار جهنم))، قال الإمام المرتضى ()  عليه السلام : الواعية هو الإمام الداعي إلى الله عز وجل، فمن سمع دعوته ونداه فلم يجبه فقد قطع حبله من الله عز وجل وخرج بلا شك عن طاعته، وتمكن في معصيته، وقال صلى الله عليه وآله وسلم : ((تمسكوا بطاعة أئمتكم لا تخالفوهم فإن طاعتهم طاعة الله، ومعصيتهم معصية الله، فإن الله إنما بعثني أدعو إلى سبيله بالحكمة والموعظة الحسنة، فمن خالفني في ذلك فأنا بريء منه وهو بريء مني)) ().

ولينظر أهل الأفكار والروَّية والحجور الراجحة الزكية والأديان الصادقة المرضية في قول خاتم الرسل وسيد البرية ((من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية))، فكفى بهذا الحديث موقظاً للنيام عن طاعة الإمام، وزاجراً عن التهاون بحقه العام، نعوذ بالله من الميتة على غير دين الإسلام، وليكن من شأنكم -هداكم الله وأعانكم- موالاة ولينا، ومعاداة عدونا، وملاحظتنا بعين الرعاية وجفن الحماية، ومعاملتنا بالمودة الخالصة الصحيحة والمحبة الصريحة والنصيحة، فإن نبيكم صلى الله عليه وآله وسلم  قال: ((الدين النصيحة، الدين النصيحة، الدين النصيحة، قيل: يا رسول الله؛ لمن؟ قال: لله ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم)) ().

 وإياكم والدخول في أمرنا هذا بطرف، والوقوف منه على حرف، فإن صلحت به دنياكم، ونلتم فيها لأجله مناكم توسطتم في دائرته، وكنتم من أرباب بدايته ونهايته، وإن نالكم بسببه ضيق المعاش، وأفضى بكم إلى هجر القرن والفراش، ولم تحظوا منه بالمرام، ولا حصلت مأربكم الدنيوية على التمام، نكصتم على أعقابكم وأيديكم بسخطكم، يا عجباً بكم، فتلك والله كرة فاضحة، وصفقة غير رابحة، بل تجارة خاسرة في الدنيا والآخرة، قال ربكم سبحانه وتعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ} [الحج: 11]، وقال نبيكم صلى الله عليه وآله وسلم  فيما رواه عنه الإمامان العظيمان زيد بن علي والهادي إلى الحق     عليهما السلام : ((ثلاثة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم: رجل بايع إماماً عادلاً فإن أعطاه شيئاً من الدنيا وفى له، وإن لم يعطه شيئاً لم يف...)) الخبر ()، وقد جعل الله هذه الشيمة من سجايا المنافقين، ونعاها عليهم في كتابه المبين، فقال: {فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ} [التوبة: 58].

171 / 331
ع
En
A+
A-