بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي جعل الإمامة ذروة للدين وسناماً، وصلاحاً لأمر العالم ونظاماً، وناط بها قواعد من الشرائع وأحكاماً، وجعلها للنبوة الهادية للخلق إلى الحق ختاماً، ولشرعة سيد الأنام الفاصل بين الحلال والحرام تكملة وتماماً، والصلاة المستتبعة إكراماً وسلاماً، على أشرف البرية ومن كان للرسل إماماً، وعلى عترته الذين ما زالوا لشريعته حفاظاً وبها قياماً، وعلى أصحابه الذين وفوا بنصرته وشمروا الساق في طاعته أزماناً وأعواماً، وفزعوا إلى نصب من يخلفه في أمته ويتحمل أعباء شرعته قبل مواراته صلى الله عليه وآله وسلم في حفرته إجلالاً لأمر الرئاسة الدينية وإعظاماً، وتنويهاً بمسيس الحاجة إليها واهتماماً.
وبعد: فإن هذه رسالة أنشأناها وآلوكة() صدّرناها، ودعوة عامة وجهناها إلى من بلغته وانتهت إليه من الأمة المحمدية في جميع الأقطار، أو بلغه خبرها، وقرع سمعه ذكرها، من البادين والحضار، منهية إلى من اتبع الهدى وتمسك بالعروة الوثقى، وتجانف عن مسالك المهالك والردى.
سلاماً متضاحك الأزهار، ساطعة من خلاله الأنوار، هاطلة سحائبه بغيث الرحمة المدرار، نابعة أنهاره بفرات البركات آناء الليل والنهار، معرفة لمن أحاط بها علماً ومنح تدبراً لمعانيها وفهماً بتأهلنا للإمامة، وتحملنا لأعباء الزعامة، وترشحنا للقيام بإصلاح أمر العامة، داعية لجميع الأمة إلى الطاعة والاستماع، والبيعة والاتباع، وحسن التأمل لِدعوة الحق وإصغاء الأسماع، وازعةً عن تلقيها بوضع الأصابع في الآذان، واسغشاء الأردية والأردان، والتولي والإصرار، والنفور والاستكبار، عائذة بالله من كاشح يقابلها بالاستهجان، وقادح يستقبح معانيها الحسان، مشتملة من أنواع الكلام على ثلاثة أقسام:
القسم الأول: في بيان السبب الموجب للدخول في هذا الأمر العظيم، والتصدي لتحمل عيبه المعضل الجسيم، بعد أن كنا قد ضربنا عنه صفحاً، وطوينا عن التعرض له كشحاً (). وليعلم من وقف على كتابنا هذا أنه لما تعاظمت المحن، والتطمت أمواج الفتن، واختبطت الأمور، وانتثر نظام أمر الجمهور، ووطي حد الإسلام بابل، وتلعبت بقواعد الشرع أيدي الجهال، وخمدت نيران الهدى وتأججت نار الضلال، وقامت سوق الفسوق على ساق، وانكسرت رايات الطغيان والشقاق، وعفت شرائع العدل وأنديته، وخفقت عقبان الجور وعُقدت ألويته، وعظمت المصائب، ونهضت النوائب، وارتفعت الأسافل، وانحطت الأفاضل عنهم بمنازل، وأُهين العلم، وعطلت مدارسه، وأرغمت أنوف أهليه فخلت مجالسه، ووضعت الضرائب على أهل الفضل والمراتب، وضاعت حقوق أموال الله، ووضعت في غير ما ارتضاه، وظهرت غربة الدين، وقويت شوكة المفسدين، شخصت إلينا الأعيان من جميع النواحي والبلدان، وامتدت الأعناق من أداني الأرض وأقاصي الآفاق، وقيدت إلينا ركائب الآمال، وطال القيل في ذلك والقال، ووجهت إلينا الرسائل الحافلة، وبلغتنا الأشعار في حلل البلاغة رافلة، وأهرع إلينا من الناس جيل بعد جيل، وحط بسوحنا كثير غير قليل، ونحن في خلال ذلك لا نصغي لما هنالك أُذناً، ولا نلتفت من تلك الأقاويل إلى لفظ ولا معنى، ونتلقى ذوي الإلحاح من الناس بعدم الإسعاف إلى مرادهم والإيناس، وندلهم على مسلك الإضراب عن ذلك واليأس، لا تهاوناً بما شرع الرب الرؤف من عظيم واجب النهي عن المنكر والأمر بالمعروف، بل تجنباً للمسالك الوعرة، وتباعداً عن مخاوف المهالك والعثرة، وأخذاً بالحزم الذي هو سوء الظن، وعلماً بشوائب كل نوع من هذا الجنس وفن.