فإن قيل: إنهم عندهم فساق تأويل، فلذلك قبلوا روايتهم وعملوا بتخريجهم.
قلنا: مذهب كثير منهم أن فاسق التأويل لا يقبل، ثم المعلوم من مقاصدهم واعتقادهم خلاف ذلك، فإنهم يتولونهم ويرضون عنهم.
فإن قيل: فما المقطوع به في حق المتعارضين.
قلنا: إن كانوا أو بعضهم من غير أهل البيت، كخلفاء الدولتين فلا شك في شقاوتهم وضلالهم لما ارتكبوه من سفك الدماء، وأخذ الأموال بغير حقها، وصرفها في غير موضعها، وإقبالهم على الدنيا ولذاتها، وإعراضهم عن الآخرة، وتلعبهم بمال الله وعباد الله، فهؤلاء فساق وإن لم يعارضهم أحد من أئمة العترة أو من غيرهم، ولا يستثنى من غير أهل البيت عن هذا الحكم إلا المشائخ الثلاثة، وعمر بن عبد العزيز، أو من جرى مجراهم، لما علم من جهدهم وتشميرهم في مراضي الله تعالى ودفعهم عن حوزة الإسلام، وبعدهم عن الأثرة، ووضعهم الحقوق في مواضعها.
وإن كانوا من أهل البيت، فإن كانت سيرتهم كمن ذكر من خلفاء الدولتين فحكمهم كحكمهم، ولا إشكال في ذلك، وإن كانوا من ذوي الفضل والصلاح والتقوى، وعرف ذلك منهم قبل التعارض وبعده، مع لزومهم السيرة المرضية من العدل في الرعية، والقسمة بالسوية، وعدم الأثرة، وامتثال أوامر الشرع، والوقوف عند نواهيه، وبذلهم لوسعهم فيما هم بصدده بحيث يعلم من قصد كل منهم أنه لا حامل له على التورط في حبائل الأمر والنهي إلا وجوب ذلك عليه عنده، وصلاحيته له دون غيره، وقيام الحجة عليه بوجود الناصر وكماله عند نفسه، وبحيث يعلم من قصده أنه لو علم أن معارضه أنهض بتحمل أعباء الإمامة وأثقال هذه الزعامة لترك معارضته، واتبعه واعتقد إمامته، وكان له أطوع من نعله واتبع من ظله.
فهذا مقام صعب رجع فيه طرف النظر حسيراً، وآض جناح الفكر كسيراً، وتعارضت فيه أقوال الراسخين تيسيراً وتعسيراً، والذي ندين الله فيهم ونعتقده -سواء قلنا مسألة الإمامة قطعية جملة وتفصيلاً، أو جملة، فقط أو ظنية- هو استصحاب حالهم الأول الذي كانوا عليه قبل المعارضة، ونقطع بفضلهم وصلاحهم، وندعو لهم بالرحمة والمغفرة والمسامحة، مع براءتنا من كل أمر فعلوه متأولين فيه مخالفة للشرع إن وقع ذلك، ونَكِلُ أمر ما شجر بينهم إلى الله سبحانه، وقد ذكر محققو علمائنا رحمهم الله تعالى في كتب الأصول في باب الاستصحاب: أن الأصل البقاء على الحال الأول، حتى يعلم تغيره إن كان علمياً، أو يظن إن كان ظنياً، فيستصحب فيهما الحال الأول المعلوم حتى يعلم مغيره.
والمسارعة إلى تفسيق من هذه حاله زيغ شديد وضلال بعيد، والخطأ في الكف عن ذلك خير من الخطأ في الإقدام عليه، وذلك هو دأب أهل الفضل والتحري، والأخذ في الدين بالأحوط، وقد صح عن نبينا صلى الله عليه وآله وسلم أنه وصى في أنصاره رضي الله عنهم، أن يحسن إلى محسنهم، ويتجاوز عن مسيئهم، مع تعمد الإساءة، فإجراء هذه القضية في أهل البيت وصالحي عترته أولى وأحرى، لأنهم لم يعتمدوا الإساءة ولقرابتهم منه صلى الله عليه وآله وسلم .
وهاهنا نكتة سرية، ولطيفة خفية، ينبني عليها جميع ما تقدم ذكره، وهي أن الإمامة التي يفسق مخالفها عند من ذهب إلى ذلك هي الإمامة التي هي عين خلافة النبوة، كإمامة أمير المؤمنين علي عليه السلام ، وولديه، وزيد بن علي، وولده يحيى بن زيد، ومحمد بن عبدالله، وأخويه، والحسين بن علي الفخي، والقاسم، والهادي وولديه صلوات الله على أرواحهم الزكية، فإن هؤلاء حذوا سيرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم حذو القذة بالقذة، والنعل بالنعل، وكان الهادي عليه السلام يقول: والله ما هي إلا سيرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم أو النار، وكان لهم عليهم السلام أنصار وأعوان على إشادة ما اندرس من معالم الدين جنود مجندة من صالحي المؤمنين، وكانوا أئمة للمتقين، كما قال تعالى: {وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً}[الفرقان:74].
ولخشية الوقوع في خطر مخالفة السيرة النبوية ترك بعضهم الأمر واعتزله كما فعل الحسن السبط، وإلى ذلك أشار بعض سادة العترة بقوله يخاطب آخر منهم:
|
فـإن
كنـت مقتدياً بـالحسين |