قال السيد أيده الله تعالى: ومن العجب سكوت العلماء عن النكير على من فسق من غير دليل.
قال المجيب: إنما سكتوا، لأنه غلب على ظنهم أن التفسيق وقع من المفسقين عن دليل، والإنكار لا يجب إلا بعد العلم بأن الواقع منكرٌ، وأما تلقين الجهلة اعتقاد ذلك، فهو وإن سلمنا وقوعه اقترن به تلقين الدليل أيضاً، والأمر باستعماله، ولا محذور إذا كان الآمر يعتقد التفسيق بقاطع عنده، فإنه يحسن منه أمره بالاعتقاد، ثم يحمل المأمور على أنه لا يعتقده إلا لدليل، كما يأمر باعتقاد الصانع وصفاته.
نقول: سكوت العلماء عن النكير عند سماع التكفير أو التفسيق حرام، إلا لمبيح شرعي كخوف.
وقول المجيب: إنهم إنما سكتوا لأنه غلب على ظنهم أن المفسقين إنما فسقوا عن دليل، نازل جداً، لأن الفرض أن المفسقين هم غير العلماء، والعلماء هم الساكتون، وإذا كان المفسقون هم غير العلماء، فلا شك أنهم بمعزل عن معرفة القواطع، وقد عرف المجيب ضعف هذا، فقال: وإن سلمنا فإن الجهلة يلقنون ذلك مع دليله، فيحسن أمرهم به، كما يؤمرون باعتقاد الصانع وصفاته مع تلقين الدليل، وهذا الذي التزمه المجيب أضعف وأظهر في البطلان مما فر منه، وما هو إلا كما قال الشاعر:
|
فـكنت
كالساعـي إلى مثعب() |
مـوائـلاً
مـن سبل الـراعد
وبيان ذلك أن أصله وفرعه المذكورين بينهما بون() بعيد، واختلاف شديد، فإن تلقين العامة الدليل على الصانع وصفاته وأمرهم بذلك، إنما صح لاستنادهم في معرفته تعالى إلى الدليل العقلي، لأن معرفته تعالى عقلية، فدليلها مودع في فطرهم، مركوز في أفهامهم، يهتدون إليه بأيسر نظرهم، ولهذا قال تعالى: {قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ} [إبراهيم:10].
وأما التكفير والتفسيق فدليلهما شرعي قطعي، لا يقع منه على العلم اليقين من أحاط بكثير من الفنون، دع عنك من استند فيه إلى مجرد التلقين لتوقف معرفته على علوم صعبة، ورياضة تامة، قطعت في تحصيلها الأعمار، ولم يهتد للطائفها إلا حذاق النظار من جهابذة الأخيار، كما لا يعزب ذلك على ذوي النظائر والأبصار، وقد زلت في هذا المقام أقدنم كثير من النحارير، فما ظنك بالعامة، حتى صنف جماعة من المحققين مصنفات أفردوها في تحقيق قواعد التكفير والتفسيق كالبستي، والإمام عماد الدين يحيى بن حمزة عليه السلام وغيرهم من العلماء، وبينوا قواعد ولخصوا فوائد، ذهل عنها العلماء الأعلام، المرجوع إليهم في مشكلات الأحكام.
وإذا ثبت أن معرفته تعالى عقلية -بخلاف مسألة التكفير والتفسيق- فإنها شرعية قطعية، خفية غير جلية، عرفت بذلك ضعف ما ذكره المجيب، ألا ترى أن العامة إذا لقنت الأدلة العقلية، لم تبعد عن أفهامها نحو العالم مؤلف، وكل مؤلف محدث، فالعالم محدث، وإذا لقنت الأدلة الشرعية نبت عنها أسماعها، وباينتها طباعها، كما إذا لقنت دليل الفسق، فقيل يدل على فسق مخالف الإمام آية كذا وحديث كذا، لأنه يدل على معنى لا يحتمل غيره، مع تواتره وعدم نسخه، وما كان كذلك فهو قاطع، والمنصف يعرف أن العامة بل كثيراً من طلبة العلم لا يهتدي إلى ذلك فهماً، ولا يستفيد منه ظناً ولا علماً، ولم يسمع عن أحد من المتقدمين والمتأخرين من أئمة العترة عليهم السلام وشيعتهم الكرام أنه أشار إلى ما ذكره المجيب من التلقين، ولا وضع فيه مختصراً بين فيه كيفيته وقرب معناه للعامة، ولخص لهم عبارته مع أنه مهم من مهمات الدين والتكليف به واقع في كل حين، فإن كان المجيب قد اطلع على شيء من ذلك فليرشد إليه، ويدل العامة عليه، فأما نحن فلم نقف على شيء من ذلك مع حرصنا على مطالعة كتب أئمتنا عليهم السلام وشيعتهم، إلا أن عدم الوجدان لا يدل على عدم الوجود.