[استبعاد إمكانية الأخذ بالقاطع في مسألة الإمامة]

قال السيد أيده الله تعالى: وإذا صحَّ أنَّها قطعية وأن الحق فيها مع واحد لم يجز الأخذ فيها إلا بقاطع، ولزم كل مكلف النظر في آحاد شرائطها، والانتهاء فيها إلى العلم، وامتنع التقليد في شيء منها، والرجوع فيه إلى العلماء.

قال المجيب: هو ملتزم وقد صرح به في (التعليق)، إلا في العلم فإنه شرع للعوام تقليد العلماء فيه.

نقول: قد التزم الذاهبون إلى أن مسألة الإمامة وشرائطها قطعية ما ذكره المجيب، ولكن لا يخفى ضعف ذلك، وليت شعري كيف إقامة برهان قاطع على أنه فاطمي عدل في الباطن؟ كما أشرنا إليه آنفاً، وإيجاب العلم بذلك، وعدم الاكتفاء فيه بالظن تكليف بمالا يطاق، والله أعلم.

قال السيد: ومن توابع أنها قطعية الإنكار على معتقد صحة إمامة الإمام من غير معرفة للشروط يقيناً.

قال المجيب: بل الواجب على الأئمة حمل أتباعهم على السلامة، وأنهم لم يتبعوهم إلا لدليل، فإن عرف أنهم لم يتبعوهم لدليل، فمسلم وجوب الإنكار عليهم.

قال: فإن قيل: قد علم من حال الأئمة أنهم لم ينكروا، فإما حكمنا بخطأ الأئمة أو بكون المسألة ظنية.

قلنا: قد دللنا على كونها قطعية، فإن صح عن الأئمة ترك الإنكار كان ذلك دليلاً على عدم علمهم بحال الأتباع، لا على خطأهم لتركهم الإنكار، ومع عدم علمهم لا يلزمهم الإنكار، ويصير حال الإمام كحال النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، فإذا حسن منه أمر العربي  باعتقاد نبوته، وتسليم الحقوق إليه من غير أمر بتقديم النظر، حملاً لمن اتبعه على السلامة، فبالأولى أن يحسن من الإمام الأمر باعتقاد إمامته وتسليم الحقوق إليه.

نقول: يلزم ما ذكره السيد على القول بأن المسألة قطعية، وقول المجيب أن الأئمة إنما لم ينكروا لعدم علمهم بحال أتباعهم، فلا يجب عليهم الإنكار، قشر ليس تحته لباب، ومغالطة لا تمضي على ذوي الألباب، وكيف يمكن غفلة الأئمة عن أحوال أتباعهم والأئمة بين أظهرهم، يسمعون منهم التصريح بالقطع بإمامتهم، بل يسمعون من أراذلهم التصريح بتكفير مخالفهم، ومن أماثلهم التصريح بتفسيقه، وأولئك الأتباع من العامة، ومن يجري مجراهم من الرعاع المتحلين بحلية الأشياع الذين لا يعرفون المسالك الجليات -فضلاً عن الخفيات- والتمييز بين القطعيات والظنيات.

نعم؛ يمكن ما ذكره المجيب من جهل الأئمة بما يقع من الأتباع، حيث يكونون بالجيل والديلم وأتباعهم باليمن، كالإمام أبي طالب الأصغر() الذي أرسل بدعوته إلى اليمن، وقام بها الأمير المؤتمن المحسن() بن محمد رحمه الله تعالى ولعن قتلته.

وقول المجيب: إن حال الأئمة في عدم الإنكار كحال النبي صلى الله عليه وآله وسلم  في أمره للعربي باعتقاد نبوته، قياس باطلٌ لوضوح الفارق، وهو أن النبي إنما أمر باعتقاد نبوته بعد ظهور خارق معجزته، كقلب العصا حية، أو إحياء الموتى، والتحدي بالكتاب المعجز، ولهذا نصوا على أن اتباعه ليس بتقليد لقيام الحجة، والتقليد اتباع الغير من غير مطالبة بحجة، فكان أمر النبي باتباعه حسناً بذلك، وأما أمر الأئمة باعتقاد إمامتهم من لم يعلم اجتماع الشروط فيهم فقبيح، وإنما المتوجه عليهم أمرهم بالنظر الموصل إلى العلم في كل شرط من الشروط المعتبرة، فإذا حصل لهم العلم اليقين بذلك أمروهم بعد العلم بالاعتقاد لوجوبه عليهم حينئذٍ.

162 / 331
ع
En
A+
A-