وقد اختلف العلماء في الجهاد، فعند أئمتنا وعامة الفقهاء أنه فرض كفاية، وعند ابن المسيب() أنه فرض عين، وعند ابن شبرمة() أنه تطوع.

فقول المجيب إن الجهاد معلوم ضرورة وجوبه واستمرار وجوبه، وأن مالا يتم الواجب إلا به يكون واجباً، مُسلِّم، وقوله: إن الإمام شرط في وجوبه غير مُسلّم، فلا يجب نصبه، سلّمنا، فذلك من مسائل الظن، فكيف يحتج به في مسائل القطع، ويجعل مختاراً على غيره، وقد ذهب الجمهور إلى وجوب الجهاد مع غير إمام، وأدلتهم كثيرة لا تحتملها هذه القطعة، ويشهد لهم مسير العبادلة() الثلاثة، وجلة المهاجرين والأنصار تحت راية الفاسق بن الفاسق يزيد بن معاوية() لعنه الله، لما جهزه أبوه لغزو الروم، حتى بلغوا معه إلى القسطنطينية، وتوفي هنالك أبو أيوب()، صاحب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم  الذي خصه بالنـزول بداره، وقال لمن أمسك بزمام ناقته من أنصاره ورغب في تشريف نفسه بجواره:((دعوها فإنها مأمورة)) () فلو كان الإمام شرطاً بإجماع قاطع للزم فسق هؤلاء السادة الذين وعدهم الله بالحسنى وزيادة، أو بقاطع غير إجماع لزم مخالفتهم للقواطع، وكلاهما باطل من دونه حد السيوف القواطع.

فعلم أن اشتراط الإمام من مسائل الظن، وهذه غفلة كبيرة من المجيب، واحتجاجه هو وغيره بمثل هذا في مسأله قطعية من العجيب.

قال السيد: وقد تركوا إيراد الأدلة على سائر أطراف مسائل الإمامة.

قال المجيب: هذا غير مُسَّلم، بل قد ذكروا ذلك، أما وجوب اتباع الإمام الجامع للشروط المعتبرة فقد استدلوا عليه بقوله: {يا قومنا أجِيْبُوا داعِيَ الله}([الأحقاف:31]، الآية، وبقوله صلى الله عليه وآله وسلم : ((من سمع داعيتنا...))() الخبر، ونحو ذلك من الأخبار المتفقة على معنى واحد، ، وأما معرفة شرائط الإمامة، فقد استدلوا على وجوبها بالإجماع.. ثم ساق كلام السيد في شرحه مستظهراً به على ذلك.

نقول: أما وجوب اتباع الإمام الجامع للشروط المعتبرة على من عرف اجتماعها فيه فلا شك في ذلك ولا شبهة، لكن مجرد وجوب الاتباع لا يوجب القطع، الذي هو محل النزاع، فإن الأمارة الظنية يجب العمل بها إذا غلب في الظن صحتها، ومع ذلك فلا تخرج عن كونها ظنية، وأما الاستدلال على الوجوب القطعي بقوله تعالى: {يَاقَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِي اللَّهِ} [الأحقاف:31]، فاستدلال من لا يعرف تفسير القرآن، ولا يدري بمواقع أسباب نزول الفرقان، وداعي الله في الآية الكريمة هو النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، فينبغي تأمل ذلك، فقد وقع هذا الوهم لكثير من الأصحاب.

فإن قيل: طاعة الإمام واجبة قياساً على النبي صلى الله عليه وآله وسلم  فإن طاعته واجبة. 

قلنا: هذا استدلال بالقياس لا بالكتاب، ثم هو ظني لا ينتهض في مسائل القطع، فإذن الأولى الاستدلال بقول الله تعالى:{أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ واْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ...} الآية [النساء:59]، لكن الآية الكريمة وإن كانت متواترة في النقل، فليست بنص في الدلالة، لأن الأمر ظاهر في الوجوب عند الجمهور، وفي الندب عند آخرين، وفي مطلق رجحان الفعل على الترك عند قوم... إلى غير ذلك من الأقوال، ولا يستقيم الاحتجاج به في مسائل القطع إلا إذا قلنا: إنه ظاهر في الوجوب قطعاً، وإن الظاهر يصير نصاً بقرينة قطعاً، كما أشار إليه بعضهم، وأن القرينة حاصلة في الآية قطعاً، ثم قوله تعالى: {وأُلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ}، مجمل فلا بد من أن يكون مبيناً قاطعاً، وأما الاستدلال بالخبر وما في معناه، فجيد إن ثبت التواتر المعنوي.

وأما معرفة شرائط الإمام والاستدلال عليها بالإجماع، فنقول: لا شك أن جملة مسألة الإمامة قطعية، ولا نسلم التشكيك في ذلك، كما هو مقتضى كلام السيد، وأما أكثر تفاصيلها فالأظهر أنها ظنية، وإن اختلفت مراتبها في ذلك، لا قطعية كما هو مقتضى كلام المجيب، وليست الإمامة بأبلغ من أصول الشرائع كالصلاة والزكاة والحج ونحوها مما هو معلوم من ضرورة الدين، فإنه قد عمل في تفاصيلها بالظن، والاستدلال على وجوب معرفة تفاصيل الإمامة بالإجماع القاطع، مما لا يعتمده محصل، وقد ذكر الأمير الحسين بن محمد عليه السلام  في كتابه شفاء الأوام، أن المجمع عليه منها أربعة: العقل، والذكورة، والبلوغ، والحرية، قال: وهذا إجماع بين الأمة.

فكيف تجاسر المجيب على دعوى الإجماع في هذا المقام مع ظهور الخلاف في كثير من تلك الشروط للخاص والعام؟ ومن أعظم أركان الإمامة العدالة، وهي ظنية قطعاً، فإن نصب برهان قاطع على أن الإمام آت بالواجبات قطعاً، ومجتنب للمقبحات قطعاً، حتى نعلم منه ذلك غير مقدور لنا، لأن علم السرائر وخفيات الضمائر مما استأثر به عالم الذات سبحانه وتعالى، ألا ترى أنه يجوز أن يعترف الإمام بالفسق وأن يصرح بتوبته عن ذلك، ولو علمت عدالته قطعاً لم يصح ذلك.

161 / 331
ع
En
A+
A-