قول المجيب: إن مسألة الإمامة قطعية عند الجمهور، إن أراد الجمهور من المتكلمين فمسَّلم، وإن أراد مطلقاً منهم ومن غيرهم فهذا غير مسلم، فإن أكثر الأمة متفقون على أنها ظنية.

قال السيد: ووجوب النصب ظني... إلى آخره.

قال المجيب: قد استدل عليه بثلاثة أدلة، الأول: إجماع الصحابة، وهو دليل أبي هاشم()، الثاني: إقامة الحدود، وأنها إلى الأئمة، الثالث: إن الجهاد معلوم ضرورة، وأنه واجب على الأمة، وأن وجوبه مستمر، والإمام شرط في أدائه، وأن مالا يتم الواجب إلا به يكون واجباً كوجوبه، قال المجيب: وهذا أقواها.

نقول: أما الدليل الأول الذي اعترضه السيد، فالإنصاف أنه دليل قاطع وبرهان ساطع، وقد حكى إجماعهم عليه أبو محمد بن حزم() في كتاب الإجماع، وقد اعترضه بعضهم بما ذكره السيد، لكنه مدفوع إذ الإجماع على وجوب نصب الإمام قطعي لتواتره وصدوره عن جميع الأمة المعتبرين من المهاجرين والأنصار، والعلم بقصدهم فيه.

أما تواتره فمعلوم عند أهل البحث التام من علماء الإسلام، وأما صدوره عن جميعهم فلنصهم معاً على وجوب القيام، ولزوم المحافظة على رسوم الأحكام التي كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم  يقوم بها ويتولاها بنفسه الشريفة، وإنما اختلفوا في تعيين القائم.

وأما العلم بقصدهم فإن نقلة إجماعهم على ذلك عرفوه من مقاصدهم ضرورة، والعلم بالمقاصد ضروري، ألا ترى أنهم قدموا النظر في ذلك على تجهيز النبي صلى الله عليه وآله وسلم  والتبرك بدفنه، وهو من أعظم مهمات الدين؟!

وأما قول السيد أيده الله تعالى: إنه إجماع فعلي فقط. فقد ذكر الأصوليون أن الإجماع ينعقد بالقول، أو الفعل، أو الترك، أو بما أمكن تركيبه منها، قالوا: والطريق إليه في حق الحاضرين سماع القول، أو مشاهدة الفعل، وفي حق غيرهم النقل، وقد يفيد العلم، كالتواتر، والظن، كالآحاد.

قالوا: وانعقاده بالفعل نحو أن يفعلوه معاً، والمعلوم أن الصحابة قد فعلوه معاً كما اعترف به السيد وغيره، ونقل عنهم القول معاً فيه أيضاً نقلاً معلوماً لانحصارهم واتحاد دارهم، فهو إجماع منعقد بالقول والفعل، فلو قال قائل: إنهم -رضي الله عنهم- إنما عمدوا إلى رجل منهم فنصبوه من غير أن ينطقوا ببنت شفه، لعد من ذوي الجهل والسفه، وخرج من زمرة أهل المعرفة، وقد قام يوم السقيفة خطيب الأنصار، وقام بعده خطيب المهاجرين، ونقل عن الطائفتين مالا يخفى، وعمن تخلف أيضاً عنهم، فظهر بما ذكر أن الدليل الأول هوالذي ينبغي أن يعتمد عليه، والإنصاف أن هذا الركن من أركان الإمامة قطعي.

وأما الدليل الثاني: فلا خفاء في ضعفه ونزوله عن مراتب القطع.

وأما الثالث: الذي اعتمده المجيب، فالإنصاف أن ضعفه أظهر من ضعف الدليل الثاني، وليس بقاطع، وإن كان معتمداً عند كثير من الأصوليين.

160 / 331
ع
En
A+
A-