[التعليق على رسالة الإمام في حكم نافي إمامة الإمام ومثبتها]

نعم، وأما التقسيمات التي أوردها مولانا أيده الله تعالى، فلعمري إنها لأبحاث شريفة، ونكت لطيفة لم يسبق إليها أحد من حذاق العلماء، ولا تنبه لها أحد من عيون الفضلاء، بل جرى مولانا أيده الله تعالى في ذلك السبيل بغير دليل()، وأبدع فيما أفاده من التقسيم الجليل، فالله المسئول أن يؤيد ببقاء مولانا الملة، ويبرز بعنايته ما استتر من صحيحات الأدلة، فلن يُنسج على منواله، ولا تسمح بصيرة بمثاله.

واعلم أرشدنا الله وإياك إلى الصواب، وجعلنا ممن رجع إليه وأناب، أنه لا نزاع في القسم الثالث، وهو إصابة أحد الفريقين وخطأ الآخر، وكذلك لا نزاع في القسم الثاني وهو أن يكونا مخطئين معاً، وإنما النـزاع كل النزاع في القسم الأول، وهو أن يكونا مصيبين معاً، ولنا في دفع ما أورده فيه وجهان، أحدهما معارضة، والثاني تحقيق.

أما المعارضة فيمن خرج على إمام الحق منتضياً سيفه، شارعاً رمحه، محاولاً لانتزاع روحه واستئصال شافته، لأنه يتأتى فيه مثل ما ذكر مولانا فيمن صدر منه مجرد النفي، فيلزم حمله على السلامة، والحكم بعدم خطئه في خروجه واعتقاده، وقبح مقاتلته مع الإمام، وبيان ذلك أن يقال: لا يمتنع أن يكون الخارج على الإمام قد أمعن النظر في طريقته، وتبطن أحواله وسيرته، فظهر له من الأمور المبطلة لدعواه، المجانبة لرضا مولاه المحلة لسفك دمه وهتك حرمه، ما خفي على المثبت لإمامته المعتقد لصحة ولايته، فليس للمثبت إذاً أن يحكم بخطأ ذلك الباغي في بغيه، بل يحمله على السلامة، وهذا ظاهر الفساد، لأن فيه تصويب القاتلين لأئمة الهدى ومصابيح الدجى سلام الله عليهم.

وأما التحقيق فهو أن يقال: إنه ليس لكل من المثبت والنافي أن يخطيء الآخر، حتى يظهر له حقيقة حاله، أو يطالبه بوجه اعتقاده فلا يبرزه، فيكون حينئذ قد أحل نفسه محل التهمة، والـمُخَطِّئون محمولون على أنهم إنما حكموا على مخالفهم بالضلال بعد أن ظهرت لهم حقيقة الحال، وتيقنوا أنه راكب لمتن العناد، متبع لهواه في ذلك الاعتقاد، اللهم إلا أن يظهر لنا خلاف ذلك، عملنا بمقتضى ما ظهر.

وأما قول مولانا أيده الله تعالى في آخر كلامه: وعلى هذا يتنـزل ما كان من معاملة بعض السلف بعضاً مع اختلافهم في أئمة زمانهم، من عدم تعاديهم وتشاحنهم مع اعتقادهم أن المسألة قطعية، فليس بواضح لجواز أنهم كانوا يصرحون بالخطأ في ذلك الاختلال، لكنهم كانوا لا يحكمون ببلوغه درجة الفسق، فلهذا حسنت معاملتهم فيما بينهم، والله سبحانه وتعالى أعلم، ولا حول ولا قوة إلا بالله العظيم، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وسلم.

 

 

 

 

 

156 / 331
ع
En
A+
A-