لا يقال: إن شرع من قبلنا لا يلزمنا إلا بدليل من شريعتنا يقوم على لزومه لنا، لأنا نقول: بل يلزمنا حيث حكاه في كتابنا ولم يقم دلالة على أنه قد نُسِخ.
واعلم: أن هذا الدليل السمعي ظاهره القوة، لكن المعتمد هو الدليل العقلي، فاعرف ذلك.
وأما ما ذكره مولانا أيده الله تعالى من الإجماع على عدم اشتراط الإمام في المدافعة، ومن قول كثير من العلماء بعدم اشتراطه في الغزو أيضاً، فهو لا ينقض ما ذكرناه، لأنا لا نمنع من إمكان حصول نكاية العدو مع رئيس غير جامع لشرائط الإمامة، لكنها لا تحصل معه على الحد الذي يحصل مع من اجتمعت فيه الشرائط المعتبرة كما قلناه أولاً، ولا شك أنه يجب تقوية شوكة الإسلام، وشد عضده على أبلغ ما يمكن ويكون، والله تعالى أعلم بالصواب.
قوله: ليست الدعاوي في إثبات المقاصد كافية، ولا للسؤالات القادحة الفادحة نافية.
قلنا: الأمر كما ذكره مولانا أيده الله تعالى، لكن الواجب أن يعرض كلا من الكلامين على معيار النظر والاعتبار، وميزان التأمل والافتكار، لكي يتضح الخطأ والصواب، ويتميز الشراب من لامع السراب.
قوله: وإنما تلك ظواهر وأخبار آحادية، ودعاوي مجردة عن إيراد البينة القوية، كدعوى الإجماع على وجوب معرفة شرائط الإمام.
قلنا: إنه يجب اعتقاد ظاهر العموم، إذا علم عدم ما يخصصه، والأخبار وإن كانت آحادية فهي متواترة المعنى، ودعوى الإجماع لا يفتقر إلى بينة، بل يتوقف العلم به على قوة البحث، فلعل من علمه أكثر بحثاً ممن لم يعلمه، فلا وجه لتعجب مولانا أيده الله تعالى من ادعاء السيد مانكديم رحمه الله تعالى للإجماع في ذلك، على أنا إنما أوردنا ذلك رداً لما ادعاه مولانا أبقاه الله تعالى من تركهم إيراد أدلة على سائر أطراف مسائل الإمامة، فأريناه أن ذلك غير متروك ولا مغفول عنه، وأنهم قد أوردوه في مواضع كثيرة، كمالا يخفى على من طالعها.
قوله: ونحن نعلم ضرورة من حال العوام عدم معرفة ماهية الإمامة ومعناها، فضلاً عن أحكامها وتحقيقها.
قلنا: الكلام في الإمامة كالكلام في النبوة حذو النعل بالنعل، فما قيل في إحداهما قيل مثله في الأخرى، من غير فضل، ومن حصل له العلم بحال العوام في ذلك كما حصل لمولانا أيده الله تعالى فالواجب عليه أن يعمل بحسب علمه من الزجز والإنكار وعدم التقرير على ما هم عليه من الخطأ، وقد تكرر من مولانا أبقاه الله تعالى ادعاء العلم بحال العوام في مواضع متعددة، ولا ينبغي منا متابعته في التكرير، لكنا نأتي بأمر كلي، فنقول: يجب على كل من علم ذلك في بعض العوام أن ينكر عليه وينهاه ويعمل بحسب علمه في ذلك، ويحمل من لم يعلم منه ذلك على السلامة، وما أورده مولانا أيده الله من حكاية بعض الثقات لا تعريج عليه، لأنه قد يصدر من المغفلين في حق الصانع سبحانه وتعالى ورسله من الأمور الشنيعة مالا ينبغي رقمه في الأوراق، فضلاً عن الأئمة، والواجب الإنكار على من هذا حاله في الموضعين.
قوله: وإن كان المراد على غير ما ينبغي منه حملهم عليه.