وما أورده مولانا عليه السلام  من أنَّ ذلك لا يدل على وجوب نصب إمام جامع للشروط غير وارد، لأن الرئيس الذي يرجع إليه في جهاد الكفار والفساق الجهاد الموافق للشرع الشريف، و[من] يقوم به لا بد من أن يكون عارفاً حتى يتمكن من الإقدام والإحجام في الجهاد، ومدافعة الأعداء على الوجه الشرعي، وأن يكون ذا رأي ومتانة، حتى يدير الحرب والسلم، ويشتد في مواضع الشدة، ويلين في مواضع اللين، وأن يكون شجاعاً مجتمع القلب، فلا يضعف عن لقاء العدو، ولا يجبن عن القيام بالحرب، وأن يكون سليم الحواس والأطراف، لأن عدم التمكن من الجهاد مع فقد السلامة ظاهر، وأن يكون عدلاً في الظاهر، لأن الفاسق ربما أوقع جهاده للأعداء على غير الوجه المطابق للشرع، وربما أخذ الفيء كله لنفسه أو وضعه في غير مستحقه، ويندرج في ذلك كونه مسلماً بطريق الأولى.

فإن قلت: إنه لا يعتبر في أمير الجيش أن يكون عدلاً ولا عارفاً أيضاً، ألا ترى إلى أمارة خالد بن الوليد وعمرو بن العاص عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم  على الجيوش؟!

قلت: هما كانا من تحت أمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، ونحن إنما اشترطنا ما ذكرناه فيمن ليس تحت أمر إمام كامل الشرائط، وأما من هو تحت أمره فلا يعتبر ذلك فيه، لأنه كالآلة للإمام، ولا بد أيضاً من كونه حراً، بالغاً، عاقلاً ذكراً.

أما العقل فلأن الصفات التي قدمنا ذكرها لا تحصل إلا معه، وأما الذكورة فلأن الغالب من حال النساء أن لا يحصل لهن الصفات التي ذكرناها، ولأنه لا يحصل لهن من الهيبة ما يحصل للرجال، وإن حصلت لهن هيبة فإنما هو لهيبة السادات، وهكذا القول في البلوغ، وأمَّا الحرية: فلاستحقار الناس بالعبيد، ولأنَّ أزمنتهم مشغولة بخدمة السادات.

ولا بُدّ أيضاً أن يكون سخياً، ومن منصب مخصوص، لأن الناس لمن هو كذلك أطوع وإليه أميل، فيحصل المقصود من نكاية العدو، وتوهين جانب الكفر والمعاصي على أتم الوجوه وأكملها، كما هو الواجب على كل مسلم، وهذه في صفات الإمام المعتبرة.

 فصح أنه لا يتم تأدية المجاهدة الشرعية لأعداء الدين وتوهين أمر الفسقة والملحدين على أتم الوجوه، إلا برئيس جامع لشرائط الإمامة، وهو المطلوب، وظهر لك ظهوراً بيناً أن ما ذكرناه هو الحق الواضح، والصواب اللائح، وأنه ليس من قبيل مجرد الصناعة في الكلام، وإبرازه في قالب الانتظام، كما ادعاه مولانا أيده الله تعالى، فنسأل الله أن يزيدنا هداية إلى الصواب، وأن يصلح لنا أمر العاقبة والمآب، بمحمد الأمين وآله الأكرمين، فهذا هو الدليل العقلي على أن الإمام شرط في القيام بالجهاد الشرعي، وحصول الغرض به وهو العمدة.

وأمَّا الدليل السمعي: فهو ما حكاه الله تعالى في محكم كتابه عن بني إسرائيل حين قهرهم عدوهم وأزعجهم من ديارهم فطلبوا القيام بمجاهدته، فإنهم أول ما طلبوا مالا يستقيم إلا به، فقالوا لنبيئهم أشموئيل عليه السلام : {ابْعَثْ لنا مَلِكاً نُقَاتِلْ فِي سَبِيْلِ الله} [البقرة:246]، ولم يقولوا: ائذن لنا نقاتل عدونا. ما ذاك إلا لما علموا أن القتال من دون ملك ينظمه ويدبر أمره لا يستقيم، فطلبوا ما يحصل به قوامه، وهو بعث الملك لهم، فقرر الله تعالى ورسوله نظرهم في ذلك، ولم ينكر نبيئهم عليه السلام  ما اعتقدوه، من كون القتال لا يستقيم إلا بملك، وإلا لم يحصل الغرض المقصود به، فأجاب سؤالهم بأن أخذ عليهم العهد بأنهم يقاتلون متى أمرهم الملك الذي التمسوا إقامته، وأنهم لا يتركون القتال معه، حيث قال:{هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلاَّ تُقَاتِلُوا} [البقرة:246]، فقرروا على أنفسهم الوفاء بما عهد به إليهم، بأن قالوا: {وَمَا لَنَا أَلاَّ نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} الآية([البقرة:246]، فلما آنس منهم الوفاء، وعلم أن الجهاد لا قوام له إلا بملك ينظم أمره ويعلم أحكامه، قال: {إنَّ الله قد بعثَ لَكُم طَالُوتَ مَلكاً} [البقرة:245]، واختاره من غير بيت الملك، وكان ديِّناً، عالماً، علم الله تعالى من حاله من البسالة في القتال وسعة العلم بالأحكام التي تتعلق بالجهاد، ومن ثم لما استنكروا إقامته عليهم وليس من بيت مملكتهم، بين الله تعالى على لسان نبيه العلة التي لأجلها اختاره عليهم، فقال: {إنَّ اللهَ اصْطَفاهُ عليكُمْ وزادَهُ بَسْطَةً فِي العِلْمِ والْجِسْمِ} [الحجرات:13].

 فبين سبحانه وتعالى أن من حق الملك الذي به قوام الجهاد على قانونه المرضي عنده أن يجمع ثلاث خصال، وهي: الدين الوازع، والعلم الواسع، والإقدام الرائع، فبين اشتراط الخصلة الأولى بـقوله: {اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ}، وهو سبحانه لا يصطفي إلا من رضي دينه وتقواه، لـقوله: {إنَّ أكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أتْقَاكُمْ}، وبين الخصلة الثانية بقوله:{ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ}.

وبين اشتراط الخصلة الثالثة بقوله: و{وَالْجِسْمِ } إذ لا فائدة في الجسم إلا ليكون إقدامه الذي في قلبه نافعاً في نكاية عدوه، ولو أقدم وهو ضعيف الجسم لم يحصل الغرض المقصود بإقدامه.

وهذه هي جل شروط الإمامة، وما عداها فهو مضاف إليها، وهي أصل لما عداها من الشروط، فلما قرر نبيئهم ما اعتقدوه من أن الجهاد لا يستقيم إلا بملك ينظم أمره بأن أجابهم إلى ما التمسوه من بعث الملك، علمنا بذلك صحة ما اعتقدوه من أن الجهاد لا يستقيم إلا بملك ينظمه، فثبت كونه شرطاً في القيام بالجهاد وهو المطلوب.

151 / 331
ع
En
A+
A-