أما مع فزع الصحابة ومساعيهم إليه قبل مواراة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فلا ينبغي الاحتجاج به على عدم التوسيع، لأن المسارعة إلى الوجوب في أول وقته لا يدل على تضيقه، بل الأفضل في الوجوب الموسع أن يفعل في أول وقته، وكان الواجب عليهم تحري الأفضل وإعطاء كل ذي حق حقه، لكنهم أخلوا بالنظر الواجب عليهم، وبادروا إلى العقد لأبي بكر خوفاً من انشقاق العصا وتفرق الجماعة لو انتظروا علياً عليه السلام حتى يفرغ من دفن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وأما توقف الأحكام الواجبة على الإمام كالجهاد ونحوه فهو إنما يقتضي وجوب نصب الإمام عند الإمكان، وقبل البحث عن الصالح للأمة لا يمكن النصب، وصار الحال في ذلك كالحال في وجوب نصب القاضي على الإمام، حيث لا يتسع هو للحكم بين الناس، وعرف من نفسه ذلك، فإنه يجب عليه نصب الحاكم وجوباً موسعاً غير مضيق، وإن كان ثم خصومات يجب فصلها وتعذر عليه الاتساع لها لأمور أهم، فكما أن نصب القاضي -وإن وجب ومست الحاجة إليه- فإنه لا يتضيق على الإمام، بل له مهلة البحث عن الصالح للقضاء والدراية ولو في مدة لها امتداد، وكذلك الحال في وجوب نصب الإمام على الأمة لا يتضيق عليهم، بل يكون موسعاً القدر الذي حققناه، وهذا أوضح كما ترى.
قوله: ومثل هذا يعد مصادرة على المطلوب.
قلنا: ليس ما ذكرناه من المصادرة في شيء، لأن المصادرة أن يكون المطلوب وبعض مقدمات الدليل شيئاً واحداً، وليس مطلوبنا من هذا الجواب بيان وجوب نصب الإمام على الأمة، لأنا قد قررناه بدلائل أُخَر، بل المطلوب إبطال السؤال الوارد على القول بوجوب النصب على شيء من أركان تلك الدلائل الدالة على وجوب النصب، وهذا واضح لا التباس فيه، فجعل ذلك من المصادرة من باب وضع الإسم على غير مُسمَّاه فافهم.
قوله: يقال مع إيضاح عدم قطعيته وابتنائه على ما هو ظني محض، وسنبينه، تظهر ظنية ما عداه.
قلنا: إذا أمكنك بيانه استقام لك هذا الإيراد، لكن دون بيانه خرط القتاد .
قوله: على أنه سيتضح لك ما قدمناه من كون الدليل الأول أشف الأدلة وأقواها، لما نحققه من كون هذا الدليل أضعفها وأوهاها.
قلنا: وسيتضح الأمر على خلاف ما تضمنته هذه الدعوى، وأن هذا الدليل قد بلغ في القوة القصوى.
قوله: في القدح على الدليل الثالث إن أردت أن الشارع جعله شرطاً، ففي ذلك اعتراف بعدم وجوب نصبه، لأن تحصيل شرط الواجب ليجب لا يجب، وإن أردت أن الأمر ورد مطلقا، وأنا نقطع بتوقفه على نصب الإمام فدعوى القطع في هذا الأصل غير مسلمة.
قلنا: ظاهر كلامه أنه لا يصح لنا أن نستدل بالعقل على ذلك، وليس الأمر كذلك، بل كما يدل السمع على ذلك يدل عليه العقل أيضاً، ولنا عليه دليلان: عقلي وسمعي.
أما الدليل العقلي فهو ما ذكرناه في الجواب من أنَّا نعلم ضرورةً من جهة العادة.. إلى آخره.