ومما اشتهر في صفة ذلك ما روي أنه لما توفى صلى الله عليه وآله وسلم كان أول من خطب أبو بكر رضي الله عنه، فقال: أيها الناس من كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات، ومن كان يعبد إله محمد فإنه حي لا يموت، لا بد لهذا الأمر ممن يقوم به، فانظروا أو هاتوا آراءكم، رحمكم الله تعالى. فتبادروا من كل جانب: صدقت، ولكننا ننظر في هذا الأمر، ولم يقل أحد منهم أنه لا حاجة إلى الإمامة، ثم أبكروا إلى سقيفة بني ساعدة، وتركوا أهم الأشياء، وهو دفن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، ورأوا نصب الإمام أهم من ذلك.
نعم؛ وبهذا اندفع قوله: فأكثر ما فيه أن يكون إجماعاً سكوتياً.
قوله: على أنا إذا رجعنا إلى أنفسنا وجدنا هذا الدليل لم يكسبها يقيناً ولم يفدها سكوناً.
قلنا: لعل المانع من إفادة هذا الدليل اليقين لتلك الأنفس هو ما سبق إليها من اعتقاد خلاف مقتضاه.
قوله: يعلم ذلك من حالهم ضرورة من لا يعرفهم، ولا يعلم أعدادهم ولا أسماءهم ولا أعيانهم.
قلنا: أما العلم بأعدادهم وأسمائهم فلا شك أنه غير معتبر في العلم بأحوالهم مطلقاً، وأما العلم بأعيانهم فإنما يعتبر في حق الناقلين عنهم المشاهدين لهم فقط، فإذا علموا أعيانهم وسمعوا أقوالهم وشاهدوا القرائن الظاهرة المحتفة بها، وكان فيهم كثرة، ثم نقلوا ذلك إلى غيرهم بأن قالوا للذين بعدهم مثلاً: إنا سمعنا كل واحد من الصحابة يقول كذا، وشاهدنا حينئذ من القرائن كيت وكيت، فإنه حينئذ محصل العلم الضروري للمنقول إليهم بأحوال المنقول عنهم بلا ريب، وإن لم يعلموا ما ذكره مولانا أيده الله تعالى.
على أنا نعارض مولانا حفظه الله تعالى، فنقول: ألسنا نعلم ضرورة من حال الصحابة القول بأنه لا إله إلا الله واعتقاد ذلك، فلا بد من (بلى) فيقال: كيف يعلم ذلك من حالهم ضرورة من لا يعرفهم ولا يعرف أعدادهم ولا أسماءهم ولا أعيانهم؟! وجوابه جوابنا في هذا عليهم.
قوله: وكيف تفيد قرائن الأحوال العلم بالعقائد... إلى آخره.
قلنا: وأي مانع من ذلك، فإنه معلوم الصحة من غير تردد، ألا ترى أن أحدنا إذا جادل على تصحيح أمر وعلمنا من شاهد حاله أنة غير مروي في ذلك، فإنا نعلم أنه معتقد لذلك الأمر بلا شك، وأما الفرق بين المرادات والعقائد في ذلك فهو غير واضح ولا وجه له.
قوله: لأن قوة الدليل بحسب إفادته للعلم وإيصاله إلى مدلوله، فإذا كان موصلاً إلى العلم فلا معنى لكون غيره أقوى منه.