يقال: لحوق التهمة إنما يكون مع عدم صحة الصلاة خلف المخالف في العقيدة، فإذا صلى المؤتم خلفه أتهم بموافقته، ويكون سبب التهمة أنه لو كان مخالفاً له في العقيدة لما صلى خلفه، لعدم صحة الصلاة خلف المخالف، فيحصل الظن بأنه لو كان مخالفاً له لم يصل خلفه، فإذا جعلت التهمة سبباً في منع الصلاة، وقع الدور لتوقف كل من لحوق التهمة، وامتناع الصلاة على صاحبه.

فإن قيل: إن سبب لحوق التهمة ما ذكرناه من كون الغالب من حال المختلفين في مسألة الإمامة ما ذكر من المباينة والمجانبة، لا ما ذكرته من امتناع الصلاة خلفه، فهي في الأصل صحيحة، لولا لحوق التهمة.

قلنا: المجانبة لا تقتضي اعتزال الصلاة مع اعتقاد صحتها وإحراز فضيلتها، ولا يفعل ذلك  -وهو جعل صلاته تابعاً لهواه معتبراً فيها غير مطابقة رضاء الله- إلا من هو عن الخير بمعزل، وكيف يليق بمميز -فضلاً عن فاضل- أن يجعل صلاته وصلة إلى محاباة وليه بفعلها، أو إيغار صدر عدوه بتركها مؤتماً به، سبحان الله ما أبعد هذا عن مقصود المحققين!! فكيف يظن في المسلم المميز أنه لو كان مخالفاً للإمام المخطيء في عقيدته لما صلى خلفه، ولترك صلاة الجماعة لا لمانع، بل لما اعتاده الجهلة من ذلك؟! هذه تهمة تتفرع على ظن السوء فيه، وقد بلغني عن بعض علماء زماننا المتشددين في منع الصلاة خلف نافي الإمامة أن الغرض من ذلك تشنيع حال النافي وتقبيحه، وإيغار صدره وتعظيم جرمه، وتفظيع شأن النفي في قلوب العامة، ليكون ذلك مرغباً في جانب الإثبات، ومنفراً عن جنبة النفي!!.

ولعمري أن هذا من الغرور العظيم المصادم لنظر الشارع الحكيم، ولو كان مثل هذا الغرض مقصوداً لَنبَّهَ الشرع الشريف عليه، ولأومى العليم الخبير ورسوله السراج المنير إليه، وما أبعد هذا عما ذكره المؤيد بالله قدس الله روحه، وهو مذكور عنه في (الإفادة)،  لما كتب إليه بعض أصحابه يلومه على تسويغ صرف الزكاة إلى نافي إمامته، ويشير إلى أن في ذلك توهيناً لأمره وتسهيلاً لاطراحه وهجره، فأجاب أعاد الله من بركاته بالتشنيع الكبير على صاحبه، وعرفه بأنه لا يترك مذهبه لما يعود عليه من النفع، واستهجن مثل ذلك النظر ووبَّخَ صاحبه عليه، ومن أراد مطالعته، فهو مثبت في حواشي هذه النسخة، مع أن بين المسألتين فرقاً، فإنَّ صرف الزكاة إلى غير نافي إمامة الإمام لا تفوت به فضيلة، بل هو أفضل، وأما ترك الجماعة لكون إمامها نافياً، فترك للفضيلة، ويقرب اعتقاد لزومه من مخالفة الإجماع.

قوله: ذو جرأة في دينه.

يقال: وجه الاحتجاج صحيح في حق ذي الجرأة على فعل القبيح، ولكنه يدل بمفهومه دلالة بينة على أن نافي إمامة الإمام متثبتاً في أمر دينه لا تمتنع الصلاة خلفه لعدم جرأته بل لكونه على ضدها، وإن فرضنا كون ذلك فسق تأويل، لعدم حصول علة النهي، وأما قياسه على فاسق الجوارح، فلا يصح لعدم العلة المنبه عليها، وهي الجرأة، والله أعلم.

قوله: فمبني على أصله في عدم تكفيرهم وتفسيقهم.

وفي هذا نظر، لأن الإمام يحيى عليه السلام  ذكر ذلك على أصل أهل المذهب في تكفيرهم، ونص على صحة الصلاة خلفهم عند المكفرين، وأفتى بذلك على قاعدتهم، والمسألة منصوصة له في (البحر) وأما على أصله فهو مستغن عن ذكر ذلك، والله سبحانه أعلم بالصواب، وهو حسبنا وكفى وسلام على عباده الذين اصطفى.

 

 

141 / 331
ع
En
A+
A-