فإن قيل: كلامك هذا ينطوي على القول بتعذر حصول الإجماعات التواترية القطعية، إذ لا يمكن معرفة أعيان الأمة جميعاً، ولا أسماؤهم، ولا أعدادهم، لمن يدعي العلم بإجماعهم، وإن نقل عنهم أنهم أجمعوا جملة، وأنه تواتر ذلك عنهم، فقد شغبت فيه وشككت على من يدعيه.

قلت: إن لم يكن ذلك متعذراً فلا كلام في تعسره، وما ادعي فيه قطعية الإجماع، كإجماعهم على أن القاطع يُقدّم على المظنون ونحوه من المسائل الواضحة، فما أظن التواتر فيه حصل عن كل واحد من الأمة، بل لما كان خلافه مما لا يتصور أن يذهب إليه مميز، فضلاً عن عارف عدل، ادعي القطع به عن المعتبرين من الأمة، والله سبحانه وتعالى أعلم.

[نكتـة]():

الأقرب عندي أن الإجماعات المروية المدعى فيها كونها يقينية قطعية على وجوه:

منها: ما مضمونه القول بما يعلم من الدين ضرورة، كحمل الإسلام، ويُكَفَّر من خالف فيه، أو يُفَسَّق، فيصح دعوى القطع بالإجماع فيه، وكيف لا؛ ومن خالف فيه لا يعتبر إجماعه وموافقته؟ فيعلم إجماع المسلمين عليه، بحيث أن من خالف فيه لم يعتبر.

ومنها: مالا يُكَفَّر المخالف فيه ولا يُفَسَّق، ولكنه أمر واضح لا يتصور فيه مخالفة، كتقديم القطعي من الأدلة على الظني، فيقرب دعوى الإجماع فيه المقطوع به من الصحة، من حيث أنه منقول عن مشاهير العلماء متواتر عنهم، وغيرهم ممن لا نعرفه أو نقل عنه لا يتصور مخالفته، لا من حيث النقل التواتري عن واحد واحد من الأمة المعتبرين في الإجماع، فذلك متعذر.

ومنها: ما خرج عما ذكر، فالصحيح أنه ظني لا قطعي، لأن المستند فيه النقل عن الجمهور، مع عدم الاطلاع على الخلاف فيه، ومثل ذلك لا يعد قطعياً مع كون المخالفة فيه ممكنة متصورة، ومصداق هذا قول أحمد بن حنبل، وهو من أئمة النقل، وأهل العلو في الطبقة: من ادعى الإجماع فهو كاذب.

قوله: فمجرد الاستبعاد ليس بحجة.

يقال: لم نجعله حجة، ولا إلى أي المطالب محجة.

قوله: مع أن الاستبعاد إنما ثبت في غير إجماع الصحابة.

135 / 331
ع
En
A+
A-