يقال: وكيف يعلم ذلك من حالهم ضرورة من لا يعرفهم؟ ولا يعلم أعدادهم ولا أسماءهم، ولا أعيانهم، والمعلوم أنك لو سألت أكثر الناس -بل كلاً منهم- عن الصحابة: من هم؟ لما أخبرك إلا بالأقل منهم، فكيف يعلم ما صدر منهم ضرورة من لا يعرفهم؟ وكيف تفيد قرائن الأحوال العلم بالعقائد؟ إنما الذي تفيده قرائن الأحوال العلم بالمرادات، وأما العقائد فلا يُعَرِّف بها إلا التعبير عنها.
قوله: فسنذكر ما هو أقوى منه.
يقال: هذا كالتسليم لعدم إفادته العلم، لأن قوة الدليل بحسب إفادته للعلم وإيصاله إلى مدلوله، فإذا كان موصلاً إلى العلم فلا معنى لكون غيره أقوى منه، إنما يقال مثل هذا في الدلائل الظنية، إذ تَفَاوَتَ في إفادتها للظن، فمنها ما يحصل عنه المقارب، ومنا ما يحصل عنه الغالب، وللظن درجات تتفاوت بتفاوت قوة الأمارات لا العلم، ولا يقال: المراد بالأقوى هو الأوضح، أو الأسلم من الشغب، فمع إفادته للعلم لا يكون لغيره مزية عليه في القوة، على أنه سيتضح كون هذا الدليل أقوى أدلة هذه المسألة، وأن المدعى كونه أقوى منه أضعف منه.
قوله: فيجب أن يكون فعلهم ذلك إنما كان لأجل وجوبه.
يقال: هذا الجواب غير مقنع، وأكثر ما فيه أن هذه قرينة تفيد ظن كون فعلهم لأجل الوجوب، ومثل هذه القرينة لا بد منها في كل إجماع فعلي يستدل به على الوجوب، ولا يقتضي مثل ذلك كون الإجماعات الفعلية قطعية، ولو صح مثل هذا التكلف لأمكن دعوى القطع في كل إجماع فعلي، ولا يلتفت إلى ما ذكره مولانا المهدي قدس الله روحه من تضعيف الاعتراض والحكم بعدم وقوعه، وعدم فطانة مورده، فإن السؤالات القادحة الفادحة لا يكفي في دفعها تضعيفها وانتقاض موردها.
قوله: فهو دعوى مجردة.
يقال: بل الدعوى المجردة ما أشار إليه الفقيه -أيده الله- من حصول العلم الضروري، بأن كل واحد من الصحابة يقول بوجوب الإمامة ونصب الإمام، وأنه لا فرق بين هذا وبين غيره من التواتريات كالعلم بأن في الدنيا مكة، كما يقضي به مفهوم كلامه حاطه الله تعالى، وإن لم يصرح بجميعه.
والمعلوم أنك لو سألت مدعي ذلك من العلماء عادت بركاتهم، عن أعيان الصحابة المدعى معرفة حالهم في ذلك، أو أعدادهم، لما وجدتهم على تحقيق في ذلك، ولا إحاطة به، دع عنك من ليس من أهل المعارف، فكيف يعرف مقالة أشخاص أو فعلهم أو عقيدتهم ضرورة، من لا يعرف أعيانهم، ولا أعدادهم، ولا أسماءهم؟
فإن قيل: ليس معرفة ذلك شرطاً، بل المقصود أنه قد تواتر عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنهم فعلوا كذا وقالوا كذا.
قلنا: التواتر المفيد للعلم الضروري لا بد أن يستند إلى إدراك، وأن يبلغ نقلته عدداً لا يجوز على مثله التواطؤ على الكذب، وأن يتساوى الطرفان والوسائط في العدد المعتبر، فنقول: ما الذي نُقل عن جميع الصحابة جملة مما هو مدرك ليتعقل حصول العلم الضروري عنه، ثم نقول: أليس الذين فزعوا عقيب موت النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى نصب من يخلفه، واهتموا بذلك غاية الاهتمام هم المجتمعون في السقيفة؟ والمعلوم أنهم ليسوا كل المعتبرين في الاجماع، فإن صح التواتر عنهم فما الذي نقل عن غيرهم ممن غاب عنهم؟ هل سكوتهم؟ فالمرجع به إلى عدم الإنكار، وهو غير مدرك، فكيف يعلم ضرورة؟ سلمنا فلا نعلم من سكوتهم أنهم على صفة أولئك المجتمعين، علماً ضرورياً أوغير ذلك، فما هو؟