تأملته، فوجدته شاهداً بكمال معرفته، وزيادة بسطته، وجودة بصيرته، وتوقد قريحته، وصحة عبارته وقوة بلاغته، وتيقنت أنه قد بلغ في إجابة تلك المذاكرة غاية ما يمكن المجيب، بل لا يبلغ شأوه في ذلك التصرف والترتيب، وأنه قد رزق بلاغة الإنشاء والفضل بيد الله يؤتيه من يشاء.
ولكنه أيده الله سلك مسلك الجدال، ورام بجودة فراسته وحسن عبارته تقويم ما خرج عن حد الاعتدال، نصرة منه للسلف الأمجاد، ورغبة في صيانة ما أوردوه عن الإفساد، لا ميلاً إلى سلوك سبيل العناد، فإنه والحمد لله من أهل الهدى والرشاد، وقد انطوى جوابه في بعض المسائل على الاعتراف وتصديق المقال، وفي بعضها على الرد والإبطال، وها أنا ذا أُءَنِّبْه على ما عدل فيه الأخ أيده الله عن التسليم، وأُوَضِّح أن جميع ما أوردته أولاً عن الإبطال سليم، حسبما اقتضاه النظر، وسمحت به الفِكَر، غير قاصد لمجرد الهُراء ()، ولا جانح إلى جانب المراء، والله سبحانه المطلع على ضمائر القلوب، والمحيط بسرها المحجوب، معترفاً بالتقصير، عالماً بأن الباع() مني قصير، عارفاً بأني إلى تعمد الهفوات وستر العورات فقير، ومن الله أستمد الهداية في البداية والنهاية.
قوله: فلعل مولانا أراد بالأمة بعضهم، وبالمعتزلة أكثرهم.
اعلم: أن خلاف الأصم ومن معه -إن صحت الرواية عنهم- لا يعتد به، ولا يلتفت إليه، لندرتهم وانقطاع خلافهم، والخلاف واقع بين الأمة، وإن خرج عنه بعضهم، ثم إنه لا وجه لقصر الخلاف في كون الإمامة قطعية أو اجتهادية على القائلين بوجوبها شرعاً، فإن القائل بعدم وجوبها -أو وجوبها عقلاً- لا بد له من الحكم عليها بكونها قطعية أو ظنية، وإنما قلنا: الظاهر من مذهب المعتزلة، لأنه لا كلام في أن الظاهر عنهم ما رويناه عنهم، فلا حاجة إلى تأويل قولنا: المعتزلة، بـ: بأكثرهم، على أنا لو أضفنا القول هذا إليهم لا على جهة الظهور، بل بأن نقول: قالت المعتزلة، أو نحوه، لكان له مساغ، فقد جرت بذلك عادة العلماء والمصنفين في عباراتهم، بل قد يضاف إلى المعتزلة ما هو قول الأقل منهم.
ولما طالعت الأم التي نقلت عنها النسخة الصادرة إلى الأخ أيده الله، وجدت لفظ (بين الأمة) ساقطاً، والذي فيها: قد وقع الخلاف هل مسائل الإمامة، إلى آخره، فذلك مما سارع إليه القلم لا عن تأمل.
قوله: كما ذكرت فيه مسألة الشفاعة، ومسألة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لمثل ذلك.
يقال: أما مسألة الشفاعة فلها تعلق ظاهر بباب الوعيد، الذي هو من فن الكلام، وأما الأمر بالمعروف فالكلام فيه كالكلام في الإمامة... والذي نقلناه عن بعض متكلمي أصحابنا وأردنا به غير الفقيه قاسم شامل للبابين.
قوله: ولا عُلِمَ أن أحداً منهم قال: لا حاجة إلى إمام.
يقال: ليس عدم علمنا بذلك يدل على انتفائه، على أنا -وإن علمنا انتفاء ذلك عنهم جميعاً- فأكثر ما فيه أن يكون ذلك إجماعاً سكوتياً فعلياً، فأين يكون من إفادة القطع؟ على أنا إذا رجعنا إلى أنفسنا وجدنا هذا الدليل لم يكسبها يقيناً ولم يفدها سكوناً.
قوله: علم ذلك ضرورة من حالهم.