قلت: وليس لأحد أن يستدل على فسق من نفى أو توقف في غير مهلة النظر، بأن يقول: إن للإمام حرب من هذه حالهُ ومقاتلته على عدم تسليم الحقوق، وجواز الحرب والمقاتلة متفرع على ثبوت الفسق، لأنا نقول: إنه ليس له محاربتهم حتى يدعوهم إلى طاعته فيتغلبوا أو ينتصبوا لحربه، وحين انتصابهم لحربه ينضم إلى ذلك الاعتقاد ما أوجب الفسق فيحكم به حينئذٍ.

ومثل هذا يقال في حق الصحابة مع علي عليه السلام ،  فإنا إذا حكمنا بصحة إيمانهم لم يكن له عليه السلام  حربهم حتى يدعوهم إلى الطاعة فينتصبوا لحربه، وحينئذ يجوز له مقاتلتهم.

نعم؛ وليس لمن لم يقطع بالتفسيق أن يعتقد في المفسق أنه صدر عنه التفسيق لا عن دليل، لأنه يجوز أن يظهر لبعض الناس من أدلة الشرع مالا يظهر للبعض الآخر، فنسأل الله تعالى المادة بالهداية إلى القول الفصل المرضي عنده.

وأما ما ذكره مولانا عليه السلام  من أن التفسيق بذلك لم تقض به معاملة السلف، بدليل ما كان بين القاسم بن علي العياني ويوسف الداعي، وما كان بين بعض أتباع حي الإمام الناصر محمد بن علي بن محمد ومن عارضه، وما كان بين الإمامين الهادي علي بن المؤيد والمهدي أحمد بن يحيى سلام الله عليهما، فقد أطال فيه الكلام مع كونه لا ينهض حجة في مثل هذا المقام، لأن غاية ما تدل عليه سيرهم المباركة، هي كونهم لا يقولون بفسق نافي الإمامة، وذلك ليس بحجة على المفسقين، لأن المسألة قطعية، والحق فيها مع واحد، وأعجب من هذا استشهاده -أبقاه الله تعالى- بما حكاه بعد ذلك عن المؤيد بالله قدس الله روحه لأنه عليه السلام  كان بعيداً عن التكفير والتفسيق، حتى أنه لم يفسق المجبرة مع أقاويلهم المنكرة.

 [الكلام في الصلاة خلف النافي لإمامة الإمام]

قال مولانا أبقاه الله تعالى: وأما منع الصلاة خلف من خالف المؤتم في العقيدة في الإمام من نفي أو إثبات أوتوقف، بحيث أن المثبت لا تجزيه صلاته خلف النافي والعكس، وكذلك المتوقف على ما ظهر واشتهر في هذا الزمان وانتشرت به الفتوى في جميع البلدان، فقد خفي عليَّ وجهه، فإن الذي تمتنع الصلاة خلفه هو الفاسق ومن في حكمه، وهو المصر على معصية لا يفعلها في الأغلب إلا الفسقة، وإن لم يعلم كونها فسقاً نحو كشف العورة بين الناس، والتطفيف، والشتم الفاحش غير القذف، واحترزوا بقولهم: في الأغلب. عما يرتكبه الفسقة وبعض المؤمنين في العادة كالغيبة والكذب ونحوهما.. إلى آخر ما ذكره في هذا المعنى.

أقول: أما مع القول بفسق النافي والمتوقف، فعدم صحة صلاة المثبت خلفهما ظاهر، وأما مع عدم القول بالفسق فلعل الوجه في منع الصلاة خلف من خالف المؤتم في العقيدة في الإمام هو ما يلحق المؤتم منهما من التهمة بالموافقة في المذهب في الإمامة، إذ قد صار الغالب من حال المختلفين في الإمامة هو المجانبة والمباينة، فإذا صلى أحد المختلفين في الإمامة خلف الآخر اتهم المؤتم منهما بأنه لا يخالف الإمام في العقيدة في الإمامة، وقد ثبت أن الإمامة قطعيةٌ، الحق فيها مع واحد، فيكون المؤتم منهما قد وقف في مواقف التهم، وقد قال صلى الله عليه وآله وسلم : ((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يقفن مواقف التهم))، فإذا صح ذلك أن موقف تهمة كان عاصياً به، فيكون حينئذ قد أطاع بنفس ما به عصى، فلهذا لم تصح صلاته، والله أعلم.

فإن قيل: فلو فرضنا زوال هذا الاتهام؟

 قلنا: إذا فرضنا ذلك وجب القضاء بصحة صلاة المؤتم منهما حينئذ.

ثم قال مولانا بعد ذلك: هب أنا سلمنا فسق النافي ونحوه، فمنع الصلاة خلفه مما لا يصح فيه التقليد والتلقين، إذ هذا من العملي المترتب على علمي، فكيف يحسن تقرير من لا يعرف القواعد على هذه القضية بل الأمر بها والحث عليها.

أقول: قد بينا فيما مرّ أن هذا ليس من التقليد في شيء، وأن الآمر إنما أمر العامي بالعمل وبتقديم العلم عليه، على أنه قد ذكر في (التقرير)() أنه يجوز التقليد في كون الكبيرة تنقض الوضوء لا في كونها توجب الفسق.

131 / 331
ع
En
A+
A-