أما أكثر أئمتنا وعلمائنا فالظاهر عنهم القول بعدم التفسيق، ولهذا نقل عنهم حسن الثناء على المشائخ المتقدمين على أمير المؤمنين علي عليه السلام ، والترضية عنهم، والتعظيم العظيم لهم، مع أن أولئك المشائخ المذكورين نفوا إمامة علي عليه السلام ، وزادوا على النفي بما ظاهره البغي، فإنهم تصدروا وأهّلوا أنفسهم للإمامة، ورأوا أنهم أولى بها منه، هذا وإمامته عليه السلام  أظهر من إمامة غيره، لقيام النصوص عليه، ووضوح الأدلة على عصمته، وكثرة فضائله، وعلو شأنه، وارتفاع مكانه.

ونقول: سلمنا أن الإمامة قطعية، فليس من لازم كل مسألة قطعية أن المخطيء فيها فاسق، إذ ليس كل خطأ كبيرة، فإنه لا يثبت كون المعصية كبيرة إلا بدليل، كما ذكروه من ثبوت الحد عليها أو التصريح، بعظمها أو فحشها أو كبرها ونحو ذلك، أو الوعيد عليها بعينها، على خلاف في ذلك، ولا أعلم حصول شيء من هذه الطرق في مسألتنا.

أقول: اعلم أن التفسيق في هذه المسألة مما عظم فيه الإشكال وكثر فيه القيل والقال، والناس في ذلك فريقان فريق قطع بالفسق، وفريق لم يقطع لعدم قيام الدليل عنده، وقال عليه السلام : (لأن أخطيء في العفو أحب إليّ من أن أخطيء في العقوبة) () وإلى هذا مال جماعة من حذاق العلماء رحمهم الله وبقولهم أقول.

قال الإمام المهدي عليه السلام  في الغايات() مالفظه: وأما الخلاف الواقع بين الزيدية والمعتزلة في الإمامة هل يؤدي إلى التفسيق أم لا؟ فقد ذكر كثير من شيوخنا أن من دفع إمامة إمام ثابت الإمامة،  وأنكر، أو جهل، فهو كمن حاربه ونابذه، وأنه فسق، قال الشيخ أبو القاسم البستي: وإلى هذا ذهب كثير من الزيدية، قال: والذي نختاره أنه لا دلالة على تفسيق من جهل إمامة الإمام، وأنكر إذا لم يقترن به خروج عليه ومحاربة له.

قال الإمام المهدي: وهذا هو الحق عندي، ثم قال رضي الله عنه: ولا بد من إيراد كلام في تبيين الحق من ذلك فنقول: اعلم أن شيوخنا المتكلمين من المعتزلة رحمهم الله ربما قالوا: إن الخروج على الإمام على جهة البغي، ونفي إمامته والطعن فيه والقعود عن نصرته، مع الإمكان من غير عذر، سواء في الحكم، وأن كل واحد من الأمرين فسق لا فرق بينهما.

وزعمت الإمامية أن مخالفة الإمام المفترض الطاعة، والجهل بأمره وموالاة عدوه كفر، وفيهم من يقول: إنه فسق، وإن لم يكن كفراً، وربما نسمي من هذا سبيله مسلماً ولا نسميه مؤمناً.

وفي الزيدية من يقول بتفسيق من لا يعرف إمامة الإمام، ويجري جهله بإمامته مجرى الخروج عليه والعداوة له، والذي عليه أهل التحصيل من الزيدية أن الخروج على إمام الحق فسقٌ، فأما الجهل بإمامته، أو إدعاء الإمامة لغيره، أو الجلوس مجلس الإمام في غير وقت إمام تحرم مخالفته، أو في وقت إمام منصوص عليه، لكنه لم يقم بالأمر، كعلي عليه السلام  أيام الشيخين، فلا دلالة على كون ذلك فسقاً، هذه ألفاظه في (الغايات) رحمه الله تعالى.

ومثله ذكره الشيخ أبو القاسم البستي() في كتاب البحث والتحقيق عن أدلة التكفير والتفسيق، ثم قال -رحمه الله تعالى- بعد أن ذكر ما جرى في الصدر الأول: وقد استدل على أن العدول عن إمامة الإمام فسق، والجهل به وإعتقاد إمامة غيره، بضروب من القياس، إذ النص غير ممكن، فمن ذلك أن الخروج عليه فسق، وقد علمنا أن من حاربه من جنس البغاة كمن لم يحارب، ومن كان في جملتهم كمن حارب الإمام، فلم يكن البغي والخروج عليه فسقاً للمحاربة، وإنما كان فسقاً للعدول عن طاعته إلى طاعة غيره، وهذا موجود فيمن عدل عن أمير المؤمنين إلى أبي بكر، فيجب أن يكون فسقاً.

قال رحمه الله تعالى: وهذا لا يصح التعلق به، وذلك أن الأمة أجمعت على أن البغي على الإمام فسق، فمن أظهر نفسه بالبغي عليه وكان من جنس البغاة فالظاهر من حاله أنه منابذ له ومحارب، إذا لم يكن هناك إكراه، وما هذا سبيله فالإجماع قد كشف عن كونه فسقاً، ولا يجب في غيره أن يكون فاسقاً والدلالة مفقودة، وقد بينا أن القياس في التفسيق والتكفير متعذر، من حيث لا يمتنع أن يعرف عظم الفعل ولا يعرف علة العظم على التفصيل، وإن كنا نعلم أنه إنما عظم لعلة وبُعد، فإنه يمكن أن يقال أن البغي عَظُم لمفسدة فيه خاصة، لا توجد في غيره، ويمكن أن يقال العلة في عظمه كونه بغياً على الإمام.

قال رحمه الله تعالى: فإن قيل: الباغي كما يعظم بغيه، فقد يعظم اعتقاده في الإمام أنه غير إمام، واعتقاده في الباغي أنه إمام، وهذا يوجب أن يكون غير الباغي بمثابته، قيل له: إذا أفردت اعتقاد الباغي عن بغيه، وخروجه عن الإمام حتى لا يبقى إلا الجهل بإمامته واعتقاد إمامة غيره فلا دلالة عندنا على كونه فسقاً بمجرده، وإنما نعلم أن الباغي فاسق، ويجوز أن يكون وجه العظم اجتماع ذنوب لو انفرد كل واحد منها لم يكن فسقاً، هذا كله كلام البستي رحمه الله، وهو من أهل التحقيق والنظر في أكثر موارده ومصادره.

130 / 331
ع
En
A+
A-