قال رضي الله عنه: فإذا نقلوا ذلك فللعامي الأخذ بنقلهم، وإن لم يبلغ حد التواتر، لأن شرط التواتر المفيد للعلم هنا مفقود، وهو الاستناد إلى المشاهدة، والعلم لا يشاهد، لكن تدل عليه الأقوال فقط، فالتواتر حينئذ هنا لا يفيد علماً، فيجتزي بالظن.

قال رحمه الله تعالى: وإن اختلف الناقلون في كمال علمه، رجع إلى الترجيح في صحة نقلهم، فإن حصل ترجيح عمل به، وإلا فالواجب الوقف حينئذ.

قال الفقيه قاسم: وقد اختار بعضهم جواز التقليد للعوام في معرفة الإمام واجتماع الشرائط فيه، وهو ضعيف انتهى.

ثم قال مولانا أبقاه الله تعالى: ومن توابع القول بكونها قطعية أنه يلزم الأئمة وغيرهم الإنكار على من اعتقد صحة إمامتهم، من غير فهم القواعد، والوصول في ذلك إلى العلم اليقين، لأن من كانت هذه صفته مُقْدِمٌ على قبيح ومرتكب له، والإنكار على مرتكب القبيح واجب... إلى آخر ما ذكره في هذا المعنى.

أقول: الواجب على الأئمة حمل أتباعهم على السلامة، وإنما أقدموا عليه من الاعتقاد وتوابعه من تسليم الحقوق ونحوه كان عن دليل، وليس عليهم أن ينكروا على الأتباع قبل أن يعلموا حقيقة أمرهم، وأما بعد علمهم بأن اعتقادهم صدر لا عن دليل فلا شك في لزوم الإنكار حينئذ، فقد ساعدنا مولانا إلى ما رام من لزوم الإنكار على من كانت تلك صفته.

فإن قال: إنا قد علمنا من حال الأئمة أنهم لم ينكروا، فإما حكمنا بخطأ الأئمة، أو بكون المسألة ظنية، قلنا: قد دللنا على أنها قطعية، فإن صح عن الأئمة أنهم تركوا اللايمة كان ذلك دليلاً على عدم علمهم بحال الأتباع، لا على خطئهم بتركهم للإنكار عليهم، ولا على كون المسألة ظنية، ومع عدم علمهم لا يلزمهم الإنكار كما قدمنا، ويصير حال الأئمة في ذلك كحال النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، فإذا حسن من النبي صلى الله عليه وآله وسلم  أمر العربي الجلف باعتقاد نبوته وتسليم الحقوق إليه من غير أن يأمره بتقديم النظر في ذلك حملاً لمن اتبعه على السلامة، فبالأولى أن يحسن ممن هو دونه -وهو الإمام- أمر العوام باعتقاد إمامته وتسليم الحقوق إليه، ثم حملهم بعد الإتباع والتسليم على أن ذلك كان عن دليل.

فإن قال: إن بين المسألتين فرقاً، فإن مسائل الإمامة أخفى من مسائل النبوة، قلنا: لا نسلمه، فإن في مسائل النبوة ما يحتاج إلى دقيق النظر، بل لو ادعى العكس في ذلك لأمكن، ثم لو سلمنا ما ذكره من زيادة خفاء مسائل الإمامة على مسائل النبوة، فلا شك أن في سائر مسائل الأصول ما هو أدق وأخفى من مسائل الإمامة، فكان يلزم النبي صلى الله عليه وآله وسلم  وسائر العلماء الإنكار على العوام جميع ما اعتقدوه من ذلك، وخلافه معلوم، ما ذلك إلا لما ذكرنا من الحمل على السلامة.

وأما ما ذكره مولانا أبقاه الله تعالى من أن أكثر المعتزين إلى الأئمة، القائلين بإمامتهم، الممتثلين لأوامرهم ونواهيهم المترتبة على صحة الإمامة وثبوتها، لم يقدموا على ذلك لنظر اقتضاه، ولا لدليل أوصلهم إليه، فذلك حمل منه لهم على غير ما ينبغي، سواء جعلنا الإمامة قطعية أو ظنية، ثم لو سلمنا أن ذلك معلوم لمولانا عن حالهم، فمن أين أن الأئمة قد علموه أيضاً حتى يلزمهم الإنكار؟ فإنه لا يلزم فيما علمه شخص أن يعلمه آخر.

قوله: وليس لقائل أن يقول كثير من المسائل القطعية يصح التقليد فيها، فإنا نقول: ذلك لا يصح إلا فيما كان منها عملياً لا يترتب على علمي.

قلنا: هذا صحيح، لكن لسنا نسلم أن تسليم العامة للحقوق إلى الأئمة صدر عن تقليد، بل هو كتسليمهم لها إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم  سواء سواء، وهذا جملة ما يتعلق بالجهة الثانية من الكلام.

128 / 331
ع
En
A+
A-